2018-02-19

لماذا أصيب نتنياهو بالسُعّار في ميونخ..؟


بقلم: راسم عبيدات

نتنياهو ما يُخيفه ويرعبه ويشكل هاجساً وصداعاً مستمرين له ايران وحزب الله، وأي محور مقاوم ينشأ على غرارهما.. ومن بعد إسقاط الدفاعات الجوية السورية لطائرة (اف 16) احدث ما في ترسانة اسرائيل الجوية بصاروخ روسي قديم اخرج من الخدمة قبل ثلاثين عاماً، أصيب نتنياهو بحالة من السُعار، فهو لا يخشى العربان فهو يعرف انهم أذلاء فاقدين لقرارهم وإرادتهم السياسية ويتسابقون على رضاه والتطبيع معه وطلب الحماية منه، بل يتجهون الى إقامة علاقات استراتيجية معه ضد ايران، ولكن ظهر له ما يمنعه من مواصلة بلطجته وعربدته في المنطقة والقضاء على تفوقه العسكري ايران وحزب الله ومعهما محور عربي مقاوم يتجذر ويتصلب في المنطقة وبما يغيير من قواعد الإشتباك ومعادلات الردع..

نتنياهو وامريكا يدركان جيداً بأن المنطقة لن تكن كما كانت عليه بحيرة امريكية مغلقة، اسرائيل وكيل اول في المنطقة لها، تعاقب من تشاء وتثيب من تشاء، وتصنف هي امريكا هذا التنظيم او الحزب أو الدولة إرهابي/ة او غير إرهابي/ة، وبما يخدم مصالحهما وأهدافهما في المنطقة، ولذلك عوقبت ايران وحوصرت خمسة وثلاثين عاماً لأنها تمردت على عصا الطاعة الأمريكي، وتريد ان تهدد امن اسرائيل ووجودها، وظل نتنياهو يحرض الإدارات الأمريكية المتعاقبة على طهران، وبان امتلاكها للسلاح النووي سيشكل خطراً على امن المنطقة واستقرارها، ويهدد امن المحور العربي السني، على اعتبار نتنياهو زعيم المحور السني العربي، ولكن حملة التحريض تلك لم تفلح في جعل امريكا تلجأ للخيار العسكري في الملف النووي الإيراني، بل عمدت الى عقد اتفاق معها، هذا الإتفاق يرى فيه نتنياهو خطر على امن ومستقبل دولته، ولذلك كرر مطالبة امريكا ودول اوروبا الغربية العمل على الغائه، حيث ان ايران تمد حزب الله بصواريخ كاسرة للتوازن، وتعمل على اقامة مصانع لتلك الصواريخ في لبنان، وكذلك تعزز وجودها في سوريا ولبنان.

نتنياهو في مؤتمر ميونخ للأمن الذي عقد قبل عدة أيام، ظهر كالبهلوان، وهو يخطب ويرفع في يده قطعة لطائرة بدون طيار يقول بأنها ايرانية وان دفاعاته الجوية قد أسقطتها، والحضور يستمعون له كتلاميذ نجباء، وهو يتكىء على المظلومية، وبان اسرائيل هي واحة الديمقراطية في المنطقة، وان "الإرهاب" الإيراني سيدمر المنطقة ويهدد مستقبلها، وبأنه لن يسمح لما يسميه بحبل الإرهاب، بأن يلتف حول عنقه، وهو حتما يقصد حبل المقاومة، حيث هو وكل حكومته مصابون برعب الـ 150 ألف صاروخ  التي يمتلكها حزب الله، ولديه قيادة متمرسة وحكيمة، تقرن القول بالفعل، ومقاتلين أشداء تصلبوا في معمعان مكافحة الإرهاب في سوريا، ووجود هذه المقاومة اعطى دفعة قوية للدولة اللبنانية، لكي ترفض شروط وإملاءات اسرائيل التي حملها وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون، والذي شعر بالذل والمهانة، حيث بقي ينتظر لفترة قبل ان يقابله وزير الخارجية اللبناني باسيل والرئيس عون، ويقولون له بان لبنان لم ولن يساوم على حقوقه في ثروته النفطية ضمن مياه الإقليمية، والمقصود هنا بلوك (9)، وليخرج بعد هذا اللقاء سماحة السيد حسن نصر الله في ذكرى الشهداء بكلمة من ضمن ما جاء فيها، بان حزب الله جاهز لوقف منصات النفط الإسرائيلية عن العمل في شمال فلسطين خلال ساعات.

نتنياهو بات على قناعة تامة، كما حال امريكا، بان الزمن الأمريكي في هذه المنطقة قد ولى، وبأن زمن الحروب الخاطفة الإسرائيلية على الدول العربية قد ولى أيضاً.

نتنياهو يريد ان تبقى اسرائيل سيدة المنطقة، تمارس كل أشكال العربدة والبلطجة والعدوان، دون حسيب أو رقيب، وأن تبقى دولة مارقة فوق القانون الدولي، تريد أن تبقى طائراتها تستبيح اجواء لبنان، وترسم خط الحدود داخل أراضيه، وتسطو على ثروته النفطية في مياهه، كحق مشروع لها، تريد أن تبقى الجولان المحتلة تحت سيادتها الى الأبد، وأن تشرعن ذلك من خلال الأمم المتحدة، تريد أن تعتدي على الأراضي السورية كل يوم، دون ان يمتلك السوريون حق الرد عليها، تريد أن تبقي على إحتلالها للأراضي الفلسطينة، وان لا تنهي إحتلالها للأراضي المحتلة، وان تستمر في قمع وإذلال الشعب الفلسطيني، ومطلوب منه عدم مقاومة الإحتلال، بل وحتى اعتبار نضاله شكل من أشكال الإرهاب.

أليس هذا طغيان وفجور..؟ نعم طغيان وفجور، ولكن هذا الطغيان والفجور، تقف الى جانبه امريكا والعديد من المشيخات العربية وقوى الإستعمار الغربي، وكرمال عيون اسرائيل "تعهر" كل القوانين والمواثيق والقرارات الدولية، كلما امعنت اسرائيل في إرهابها وخرقها للقانون الدولي، كلما امعنت أمريكا في دعمها وتشجيعها ومكافأتها في الخروج عليه، ولكي نكتشف بان ما يسمى بقيم العدالة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وما يسمى بقرارات الشرعية الدولية، هي مجرد كذبة كبيرة،حينما يتوافق ذلك مع مصلحة امريكا واهدافها، تصبح مطلب شرعي واجبة التطبيق، وحينما يتعارض ذلك مع تلك المصالح والأهداف، تصبح غير شرعية والمطالبة بها اعمال إرهابية.

إن فرعنة نتنياهو هذه ما كان لها ان تكون لو كان هناك دول عربية مالكة إرادتها وقرارها السياسي، وتعمل على إمتلاك كل مصادر القوة، لكي تدافع عن وجودها وأمنها وخيراتها وثرواتها، ولكن تعفن النظام الرسمي العربي وتبعيته المطلقة لأمريكا، هي من تجعل نتنياهو يزهو كالطاووس، يهدد ويتوعد ويتبلطج كما يشاء.

عهد بلطجة وزعرنة نتنياهو في المنطقة آخذة في التراجع، في ظل قيام معادلات ردع وقواعد اشتباك جديدة، حيث ان محور المقاومة، يزداد قوة وصلابة ويتمدد ويتوسع في المنطقة، وبما يفقد اسرائيل تفوقها النوعي في المجال العسكري، ولذلك نحن أصبحنا نسمع يومياً صراخ نتنياهو وقادة دولة الإحتلال عن الخطر الإيراني وخطر حزب الله وخطر النظام السوري، وغير ذلك من المرادفات التي تشيطن أي قوة مقاومة عربية او اسلامية تقف ضد طغيان وعدوانية اسرائيل في المنطقة.

ومن هنا نحن نتفهم حالة السُعار التي أصابت نتنياهو في مؤتمر ميونخ للأمن وتحريضه المستمر على طهران وحزب الله ومحور المقاومة، نتنياهو يريد أن يبقى يعربد ويتبلطج دون ان يساءله او يحاسبه احد،ولكن كما يقول المأثور الشعبي "اجاك يا بلوط مين يعرفك"..!

* كاتب ومحلل فلسطيني يقيم في مدينة القدس. - Quds.45@gmail.com