2018-02-15

أضواء على مشاريع الاستيطان في سيناء..!


بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

لسيناء أهميتها الإستراتيجية والدينية والحضارية والاقتصادية، فهي تمثل استراتيجيا حلقة الوصل بين آسيا وإفريقيا، وكانت طريق الجيوش عبر التاريخ، كما أن لا قيمة لقناة السويس بدون سيناء، ولا قيمة لسيناء بدون قناة السويس. بمعنى أن من يسيطر على سيناء يسيطر أيضًا على قناة السويس. وهي حضاريا المكان الذي اكتشف فيه العديد من الآثار القديمة التي تؤرخ لحملات تحوتمس الثالث وسيتي الاول ضد الهكسوس، إضافة إلى آثار معبد "سرابيط الخادم"، وصخرة "سمرخت"، التي ترمز، كما يقول الأستاذ فؤاد حسين (كتابه: شبه جزيرة سيناء المقدسة)، إلى إخضاع شبه جزيرة سيناء إلى سلطة مصر. وهناك أيضًا صخرتان معروفتان بصخرتي "سانخت" إحداهما موجودة في المتحف المصري، بالقاهرة، والأخرى بالمتحف البريطاني في لندن، إضافة إلى صخرة زوسر المنقوش عليها رسم الفرعون وهو يخضع بدويًا أثناء السيطرة على شبه جزيرة سيناء. كما تعتبر سيناء مهد الكتابة "البروتوسينيائية" التي تعتبر الأبجدية الأم للأبجدية العربية الجنوبية القديمة في اليمن، والأبجدية الكنعانية الفينيقية في سوريا ولبنان وفلسطين. ودينيًا تعتبر سيناء مكانًا مقدسًا لوجود جبل الطور الذي تلقى عنده سيدنا موسى عليه السلام الألواح من الله. كما يوجد بها دير سانت كاترين الذي بناه الامبراطور الروماني جستنيان سنة 527م بجوار جبل الطور، ويعتبر من أهم المعالم المسيحية في مصر، كما يوجد بها أيضًا مسجد عمرو بن العاص (داخل الدير)، وبئر سيدنا موسى، ومقام النبي هارون، ومقام النبي صالح، وطريق العائلة المقدسة  الذي سلكته السيدة مريم العذراء وابنها السيد المسيح  عليه السلام. أما اقتصاديًا، فقد عرفت سيناء تاريخيًا بثرواتها المعدنية، خاصة النحاس والفيروز.

وقد جرت محاولات كثيرة في الآونة الأخيرة من قبل أطراف عديدة لتجريد صحراء سيناء من هويتها المصرية، وأيضا التشكيك في قدسيتها بالزعم أن جبل الطور الذي كلم الله سيدنا موسى عنده وأشار سبحانه وتعالى إليه في محكم آياته "وطور سيناء" يقع في موضع آخر في الجزيرة العربية، وليس على أرضها. وذلك مع مزاعم أخرى ترددت بالتوازي ، مثل محاولة نزع صفة "أرض الأنبياء" عن فلسطين، والقول إن المسجد الأقصى في الطائف ..الخ. ولعل أخطر ما تردد في هذا السياق القول بأن ما يعرف بصفقة القرن يتضمن انتزاع جزء من سيناء لضمه إلى قطاع غزة لإقامة الدولة الفلسطينية عليه، وذلك في إطار اتفاقية أشمل لتبادل الأراضي، مع العلم بأن هذا الطرح ليس جديدًا، فقد سمعنا به في فترة حكم الإخوان المسلمين لمصر. لكن فكرة التوطين في سيناء تعود إلى أبعد من ذلك بكثير، فقد راودت فكرة إقامة دولة يهودية في سيناء فكر ومخيلة رواد الصهيونية، وعلى رأسهم تيودور هيرتزل. حيث كانت خطتهم إقامة نواة الدولة اليهودية في سيناء، ثم ضم فلسطين إليها، ورأوا في الاحتلال البريطاني لمصر ما سيساعدهم على تحقيق هذه الفكرة. وقد عرض الصهاينة فكرتهم تلك على حكومة لندن عام 1903، فرحبت بها ترحيبًا كبيرًا، وسارعت بإرسال عدة لجان إلى سيناء لدراسة خصائصها و إمكاناتها. واقترح  وزير المستعمرات آنذاك جوزيف تشمبرلين من جانبه إقامة مستوطنات صهيونية في فلسطين وشمال سيناء.

ويقول د. رفيق شاكر النتشة (كتابه: الاستعمار وفلسطين- إسرائيل مشروع استعماري)، بهذا الصدد "في سنة 1898، بدأت مفاوضات هيرتزل مع بعض أعضاء الوزارة البريطانية، وبخاصة تشمبرلين حول إسكان اليهود في شبه جزيرة سيناء، وأن يقيم اليهود دولة فيها تتمتع بالحكم الذاتي، تحت الإشراف البريطاني. ووافق تشمبرلين على الفكرة، من حيث المبدأ، وانضم إليه لورد لانسدون، وزير الخارجية، لأن هذا المشروع يؤدي إلى عزل مصر عن غرب آسيا ..الخ.  وقد أجرى هرتزل في يوليو 1902 مباحثات مع تشمبرلين استهدفت استصدار موافقة بريطانيا على توطين اليهود في جزيرة قبرص أو في شبه جزيرة سيناء". (الكتاب ص 80). ويشير الأستاذ فؤاد حسين أيضًا الى هذا المخطط بالقول إن خطابا للمستر جارفس - محافظ سيناء السابق- في مؤتمر في لندن عام 1939 ذكر فيه أن سيناء آسيوية وسكانها من الآسيويين "ولا بأس ان يستضيفوا اليهود لديهم ليعيشوا معا على ارض واحدة". وهذا القول يعني ان الجزء الأوروبي من تركيا لا ينتمي إلى تركيا لأنه يقع خارج نطاق تركيا الآسيوية.

في عام 1955 اقترح وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس توطين اللاجئين في صحراء سيناء بعد استصلاح المنطقة وتطويرها اقتصاديا. وقد قوبل ذلك المشروع بمظاهرات صاخبة شهدها قطاع غزة في 28 فبراير 1955 استمرت لثلاثة ايام متتالية. وهكذا يتضح مما سبق أن مشاريع التوطين في سيناء هي وليدة مخططات استعمارية – صهيونية، وانها لا تمت للواقعية أو المعقولية بصلة، أولاً لأن صحراء سيناء بكل ذرة من رمالها مصرية، وثانيًا لأن سيناء مشغولة بسكانها من العرب الأقحاح الذين يعودون في أصولهم إلى القبائل العربية العتيدة، وثالثًا لأنه من المستحيل أن يقبل الشعب المصري أو الشعب الفلسطيني بهذه الفكرة الخبيثة من أساسها. كما لابد من التنويه بأن فكرة إقامة دولة فلسطينية في سيناء تدخل ضمن المخطط الصهيوني العام للسيطرة على سيناء التي حاول الصهاينة انتزاعها من مصر في حربي 56 و67، اعتقادًا منهم بأنه سيصبح من السهل انتزاع سيناء من الفلسطينيين مستقبلاً في حال إقامة دولة فلسطينية عليها.

* كاتب فلسطيني- الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com