2018-02-15

"الهيمنة غير الليبرالية"..!


بقلم: د. أحمد جميل عزم

كتبتُ مؤخراً عن أنّ سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هي نوع من الاستعمار ما بعد الحديث، يضرب فكرة الاستعمار الحديث، القائم على أدوات مثل المساعدات الاقتصادية، والتجارة الحرة، واستخدام نشر قيم الديمقراطية والحرية ذرائع للتدخل الخارجي، وفي عدد مجلة "فورين أفيرز" لشهري آذار (مارس)/ نيسان (إبريل)، المقبلين، دراسة تقدّم عمقاً في فهم ما يفعله ترامب، أعدها باري بوسين، بعنوان "صعود الهيمنة غير الليبرالية.. استراتيجية ترامب الكبرى المفاجئة".

بوسين باحث بارز في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، المرموق. وهو يتعمق في استراتيجية ترامب وخطاباته. يصف خطابه بشأن السياسة الخارجية، بأنّه يعود لعصر ما قبل الحرب العالمية الثانية، ويشير إلى جزأين أساسيين في هذا الخطاب، أولهما أنّه لا علاقة للولايات المتحدة الأميركية، بموضوعات بناء الأمم، أي بالتنمية والدمقرطة في دول أخرى، كما يدعو الليبراليون والمحافظون الجدد الذين حكموا في عهد جورج بوش الابن (2001 - 2009). وثانيهما، عدم وجود ما يسمى "الراكب المجاني" أي أن حلفاء الولايات المتحدة الأميركية، يجب أن يدفعوا مقابل الحماية التي تقدمها لهم الولايات المتحدة، وإلا يجب أن يقوموا بالدفاع عن أنفسهم بأنفسهم.

يتناغم الجزء الأخير، أن يقوم الحلفاء بالدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، كما قال بوسين مع فكرة قالها ترامب في حملاته الانتخابية المبكرة، أنّ حلفاء الولايات المتحدة الذين لا سلاح نوويا لديهم سيسمح لهم بالحصول عليه، وهذا جزء من شق مرعب في هذه السياسة، فهذا رئيس أميركي لا يمانع أن تنتشر أسلحة الدمار الشامل. وكما يوضح الكاتب، هذا لا يعني تبني ترامب مذهب عدم التدخل والعزلة، بل إنّ ترامب شخص يهدد بالحرب كثيراً، كما في حالة كوريا الشمالية.

في الواقع لا يبتعد ترامب فقط، كما يوضح بوسين، عن فكرة النظام الليبرالي الذي وجد بعد الحرب العالمية الثانية، والذي أعطى جزءا من قيادة العالم للولايات المتحدة الأميركية، اقتصاديا وسياسيا، بل وأيضاً عن فكرة "الهيمنة الليبرالية" التي طورها مفكرون بعد نهاية الحرب الباردة، التي دعت الولايات المتحدة لفرض التجارة الحرة، والمنظمات الدولية، وما سوى ذلك. والواقع أنّ هذا النظام قد فشل فعليا إلى حد كبير، مع عدم قدرة الإدارات الأميركية على إصلاح وتحويل المنظمات الدولية دون خسارة جزء من نفوذها.

تقوم سياسة ترامب على شن الحروب لمنع المعارضين من امتلاك سلاح نووي، أو لتصفية الخصوم مثل طالبان في أفغانستان، وداعش في العراق وسورية، وبأموال أكثر، وبميزانية دفاع تسلح أكبر.

تفصّل الدراسة معلومات عن تدريبات واستعدادات عسكرية أميركية فعلية في محيط كوريا الشمالية. ويلمح الكاتب أنّ دولا مثل اليابان والصين قد تقدم تنازلات تجارية فعلا لترامب، لأنّها لا تريد تولي مهام أمنية تقوم بها الولايات المتحدة. وكيف أنّ واشنطن تدعم، وستدعم حروبا بالوكالة قد تجري في منطقتنا. وتفصل الدراسة الاتفاقيات والمنظمات الدولية التي انسحبت منها واشنطن أو قلّصت حضورها فيها.

يقدم بوسين استراتيجية بديلة للسياسة الأميركية، ربما ليس هناك مجال لنقاشها، ولكنه يتوقف عند حقيقة أنّ سياسة الهيمنة الليبرالية (والتي يسميها البعض أيضاً وهو ما لم يذكره بوسين بالهيمنة الرحيمة) (Benevolent hegemony)، لم تنجح منذ الحرب الباردة في تشكيل نظام جديد أو ضمان القيادة الأميركية.

تبدو الولايات المتحدة حائرة، فقد نفذّت في عهد بوش الابن (2001 - 2009) سياسة هجومية، تقوم على تغيير الأنظمة السياسية وفرض التجارة الحرة والديمقراطية، وفشلت، ثم جاء أوباما (2009 - 2017)، بسياسة هادئة غير تدخلية إلى حد ما، وهو ما أوجد فراغا في قيادة العالم ولم يقلل مصاعب الولايات المتحدة داخليا وخارجياً، والآن يجرب ترامب فرض الهيمنة. هناك أسئلة مثل هل سيقدم العالم وخصوصاً الحلفاء تنازلات له في مجالات مثل التجارة مقابل الحماية العسكرية؟ هل يدخل العالم حروبا وسباقات تسلح مدمرة، تغير خرائط إقليمية وعالمية؟ هل سيتقبل الأميركيون المزيد من الفجوة في الدخل بين الأثرياء والفقراء، بفضل سياسات ترامب الليبرالية الداخلية؟ هل سيتحسن الاقتصاد الأميركي حقاً؟ عوامل كثيرة ستحدد مدى فشل أو نجاح خطة "الهيمنة" الصريحة الأميركية، ومستقبل العالم.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com