2018-02-13

المواجهات الأخيرة على الجبهة السورية الأسرائيلية الى أين..؟


بقلم: راتب عمرو

لقد كشفت المواجهات الأخيرة على الجبهة السورية – الإسرائيلية عن وقائع جديدة، فرضت نفسها على الوضع العسكري والأمني الإسرائلي برمته بشكل لم يسبق له مثيل منذ قيام الدولة العبرية، حيث وجدت إسرائيل ولأول مرة قواتها في مواجهة حقيقية مع القوات الإيرانية المرابطة في الأراضي السورية وعلى مسافة بضع كيلومترات من الحدود معها. وعلى الرغم من عدم إتساع الأمور بفضل تدخل الرئيس الروسي "بوتن"، إلا أنها كشفت عن نتائج وحقائق ملموسة على الواقع العسكري والسياسي الإسرائيلي، وتحديداً في ما يتعلق بالمواجهة مع سوريا والتواجد الإيراني وحتى تواجد حزب الله اللبناني على الأراضي السورية من أبرزها:

1- أن هذه المواجهات ورغم محدوديتها إلا أنها أسفرت بشكل لا يقبل الشك، عن أن تغيراً ملحوظا وخطيراً طرأ على ما يُصطلح عليه عسكرياً  "قواعد الاشتباك" بين إسرائيل وسوريا، بغض النظرعن الجهة التي إشتبكت معها إسرائيل من بين الجهات المتواجدة على الأراضي السورية وهي كثيرة ومتعددة، حيث لم يكن الإشتباك وكما إعتادت الطائرات الحربية الإسرائيلية في جميع المرات السابقة على قصف العديد من المواقع العسكرية في سوريا على طريقة "ضرب وهرب" بعد أن تم إسقاط طائرة إسرائيلية حربية حديثة ومتطورة، وأن هذا التغير لم ولن يكون أقل من أنه نذير شؤم لإسرائيل التي وجدت نفسها أمام واقع أمني وعسكري وسياسي غير مسبوق، ليس بسبب إسقاط الطائرة بقدر ما هو متعلق بالقدرة الإسرائيلية على الرد والمناورة والتحكم في قواعد الإشتباك كما إعتادت في كل مرة وتحديداً على الجبهة السورية، بعد أن وجدت القيادة الإسرائيلية نفسها مكبلة اليدين وغير قادرة على التملص من تدخلات الرئيس الروسي "بوتن" والتي وصلت هذه المرة الى حد فرض الإملاءات الروسية على إسرائيل دون أن تكون قادرة على التهرب أو الأنفكاك.

2- أن إسرائيل وجدت نفسها - وفي أعقاب هذا الإشتباك تحديداً - أمام الدولة الروسية العظمى، التي تسيطرعلى مفاصل الأمور العسكرية والسياسية في سوريا بطلب وتفويض من القيادة السورية ممثلة بالرئيس السوري بشار الأسد، إتفقنا معه أو لم نتفق. ورغم كل اللقاءت السرية والعلنية التي حدثت بين رئيس الوزراء الأسرائيلي "نتنياهو" والرئيس الروسي "بوتن"، إلا أن ما حدث يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن روسيا التي تتعامل مع الملف السوري بإعتباره عنوانا ورمزاً للهيبة والعنفوان الروسي في الشرق الأوسط دون ما حدود، وأنها - وكما يقول القول العربي الشائع - هي صاحبة "الحل والعقد" في سوريا، وأن مصالح روسيا في سوريا هي في نهاية المطاف أكبر وأهم من العلاقة مع إسرائيل، ناهيك عن أن الوجود الإيراني ووجود حزب الله اللبناني في سوريا لم يكن ليتم دون موافقة أعلى مرجعية في الدولة الروسية صاحبة الولاية في سوريا، وأن ضغطا مارسه الرئيس الروسي "بوتن" على رئيس الوزراء الإسرائيلي "نتنياهو" إنطلاقاً من خشية "بوتن" من إتساع الجبهة وهذا ما لا تريده روسيا أقلها في المرحلة الحالية.

3- أن هذا الواقع يضع إسرائيل ولأول مره منذ قيامها أم خيارين لا ثالث لهما:
أولهما: أنها لم تعد القوة العظمى الوحيدة في الشرق الأوسط، ليس بسبب التواجد الروسي في سوريا فحسب، وتقاطع مصالحها مع المصالح الإيرانية في الشرق الأوسط والمنطقة العربية بشكل خاص، بل بسبب التواجد الإيراني في سوريا، وبسبب الأطماع الإيرانية في المنطقة مدعومة من روسيا صاحبة الولاية على سوريا، وفي حال إستمرت إيران بتموضعها وتمددها في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن، فإن ذلك سينعكس على إسرائيل وعنجهيتها على المدى القريب والبعيد.
وثانيهما: أن الولايات المتحدة الأميركية الصديق الحميم لإسرائيل، لم تعد رقماً صعبا في المعادلة الشرق أوسطية، بعد أن دخلت روسيا وأدخلت معها إيران ووصلت الى حوض البحرالأبيض المتوسط بسهولة ويُسر، وبعد أن أخرجت الولايات المتحدة نفسها وأخرجت حلفائها في الشرق الأوسط من أهم قضية في التاريخ القديم والحديث آلا وهي الصراع العربي – الإسرائيلي، وحسمت موقفها وثقلها لصالح إسرائيل، بعد أن أستعدت شعوب العالمين العربي والإسلامي من خلال قرارها الأخير المتعلق بإعتبار القدس عاصمة للدولة العبرية، وبذلك تكون قد فتحت الباب بمصراعيه أما إيران بإعتبارها "الممثل الشرعي والوحيد  للمسلمين في العالم والمنقذ والغيورالأول والأخير" على القضية الفلسطينية والقدس الشريف، وهذا ما تأكد بشكل واضح في لقاء تركيا الذي عقد في أعقاب قرار الرئيس الأميركي "ترامب" الأخير المتعلق بالقدس، وكأن الولايات المتحدة الأميركية وبسبب إنحيازها المطلق لأسرائيل ساهمت بشكل مباشر في إعطاء تفويض لإيران بأن تكون كذلك.

4- لقد إنتظرت القيادة السورية طويلاً هذا الذي حدث، وبغض النظرعن  الجهة التي أسقطت الطائرة الإسرائيلية، فإن القيادة السورية وهي تدرك تمام الأدراك أنها لا علم لها بما حدث، لكنها وجدت في تلك المواجهات فرصة للظهور بمظهر المنتصر، وهكذا فإن إسرائيل التي إعتادت في كثير من الغارات والعمليات الإسرائيلية السابقة على سماع العبارة السورية المشهورة بأن سوريا "سترد في الوقت المناسب"، كدليل على الضعف السوري الرسمي، لم تحظى بسماعها في هذه المرة، الأمر الذي يعني للقيادة السورية أنها ردت وإنتصرت، وهذا لم تكن إسرائيل تتوقعه ولا تتمناه.

وأخيراً فإن هذه المواجهات ورغم محدوديتها وسرعة توقفها إلا أنها أدخلت إسرائيل مرغمة في دوامة لم تكن في حساباتها العسكرية والسياسية، وأن هذه الدوامة لا يمكن لها أن تتغير ما دام الوجود الروسي والإيراني قائما على الأرض السورية، ويبدو أن هذا الوجود سيطول، لهذا فإن على إسرائيل أن تعيد تقييم  حساباتها من جديد..!

* مدير مركز الأفق للدراسات الأستراتيجية، عمان - الأردن. - ratebamro@gmail.com