2018-02-11

حدود عرين الأسد الروسي في الشرق الأوسط


بقلم: د. عبير عبد الرحمن ثابت

لا أحد بمقدوره أن يهون من قيمة ما حدث بالأمس؛ عندما استطاعت الدفاعات الجوية داخل الأراضي السورية أن تُسقط طائرة "إف 16" الإسرائيلية الاستخدام والأمريكية الصنع، وهي طائرة من الجيل الرابع الأحدث، والذي يطلق عليها العاصفة نظراً لقدرتها على تظليل الدفاعات الجوية وقدرتها الفائقة على المناورة؛ بحيث يكون بمقدورها إصابة أهدافها بدقة وعن بعد؛ وهو ما حدث عندما استهدفت تلك الطائرة مواقع على بعد مئات الكيلومترات في محافظة حماة السورية؛ وهي فوق مرج بن عامر شمال فلسطين المحتلة.

ومن الواضح أن إصابة الطائرة كانت مباشرة ودقيقة؛ نظراً لإصابة أحد طياريها إصابة خطيرة، وهو ما يعني أن القذيفة أصابت الطائرة في زمن قياسي لم يتسن لرادار الـ"إف 16" وأنظمة كمبيوترها المعقدة أن يستشعرها ويتفادها أو حتى يظللها، وهنا تبرز حقيقة أخرى عن مدى تطور تلك المنظومة الصاروخية الدفاعية التي استطاعت كسر تفوق تكنولوجيا الجيل الرابع من الـ"إف 16"، ومن غيرالمنطقي أن تكون تلك المنظومة كما يروج في وسائل الإعلام هي منظومة "اس 200" السوفيتية، والتي تعد من النماذج القديمة للمضادات الأرضية ام ان هذا الترويج هو ضمن سياسة متعمدة يراد بها إيصال رسائل بعينها لمن يهمهم الأمر وهم كُثر، لكن وإن تعددت عناوين المرسل والمستقبل فمصدر الرسالة واحد وهو ببساطة الكرملين 2018، والذي لا يشبه الكرملين خلال العقدين الماضيين قط.

ان الكرملين اليوم هو أحد المقرات الدولية الرئيسية التي تدير السياسة العالمية؛ ضمن استراتيجية إمبراطورية طويلة الذراع بحكمة وهدوء وإتزان يليق تماما بحجم ما تمثله من قوة  قادرة على تحقيق أهدافها وتحديد مناطق نفوذها بشكل عملي على الأرض، وذلك لو كلف تغيير معادلات تاريخية راسخة كتلك التي كانت مفروضة في الشرق الأوسط حتى يوم أمس، والتي مفادها أن سماء المنطقة حكر للطائرات الأمريكية الصنع التي تمتلك إسرائيل أحدثها، مما يعطيها التفوق والسيطرة المطلقة على سائر أجواء المنطقة.

لقد سقطت هذه المعادلة تماما بالأمس على يد الروس، والذين اضطروا على ما يبدو للرد على تجاوز خطير حدث خلال الأسابيع الماضية؛ عندما أسقطت لهم طائرة "سوخوى"، قد قيل في حينه أن مضادات أرضية لقوى المعارضة السورية قد استهدفتها، ولكن الحقيقة أن المعارضة السورية لا تمتلك هذا النوع من الصواريخ، ولو كان الحال كذلك لما استطاعت قوات النظام وحلفائها من الروس والايرانيين استعادة القبضة على ما يقارب 80% من مساحة البلاد من قبضة المعارضة، ولكن الحادث في حينه مثل تجاوزاً خطيراً واستهتارا متعمدا وإهانة من قبل الولايات المتحدة  لروسيا الاتحادية، لكن الرد الروسي لم يتأخر كثيرا، وما هي إلا أسابيع حتى جاء الرد صاعقا بالأمس وبطابع أكثر إهانة، عندما يعلن أن صاروخ سوفياتي من حقبة منظومة دفاع جوي من الجيل الأول لمنظومة(S 200) وهي من ثمانينيات القرن الماضى، قد استطاع تدمير طائرة "إف 16" من الجيل الرابع، وهو أحدث الإصدارات وباكورة التكنولوجية الغربية في مجال الطائرات الهجومية. ولكن أخطر ما في الأمر أن الرد الروسي قد كسر معادلة عسكرية  دولية كبيرة، ألا وهي معادلة تفوق أنظمة التسلح الغربي والأمريكي، وهو ما سيكون له تداعيات كارثية على  كبريات الشركات وصفقات التسلح الأمريكية المستقبلية، والتى تقدر بعشرات المليارات،  إضافة إلى ذلك أن كسر معادلة التفوق لسلاح الطيران الإسرائيلي، هو ضربة إرتجاجية مزلزلة للإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، والتي بنيت على أساسها معادلات الردع الاسرائيلي لخصومها في الإقليم، والتي نسجت على أساسها سياسة إسرائيل في المنطقة، فتحييد سلاح الجو الاسرائيلي أو حتى خلخلة تفوقه، تعني ببساطة فقدان إسرائيل لأهم  أذرعها الطويلة والتي لولاها ما استطاعت الانتصار في كل حروبها على مر تاريخها الدموي في المنطقة.

وإسرائيل اليوم أمام حقيقة مريرة ربما لم تستوعبها بعد لهول مرارتها وألمها، وهي أن الصاروخ السوفياتي كما يدعى لم يضرب الـ"اف 16 صوفا" بل ضرب في مقتل معادلة التفوق العسكري الاسرائيلي في المنطقة، ورسم حدود عرين أسد جديد في الجبهة الشمالية، ورغم الإدعاء بأنه أسد سوري أو حتى إيراني، فإسرائيل تدرك جيدا أن الأسد هو روسي شرس سوف يدافع عن عرينه القديم المتجدد لأنه باق هاهنا إلى ما شاء الله، وعلى اسرائيل والولايات المتحدة أن تدرك تلك الحقيقة، وأن يترجم هذا الإدراك لمواقف سياسية على الأرض بأسرع وقت ممكن في قضايا كالملف النووي، وحسم الأوضاع في سوريا لصالح التوافق الدولي، بعيدا عن سياسة المماطلة والتربص والخداع التي تنتهجها إدارة ترامب، لأن الوقت لن يكون في صالح أحد خاصة حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، لأنهم أول من سيدفع الفاتورة كاملة مجبرين لا مخيرين.

* أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية. - political2009@outlook.com