2018-02-05

خلفيات هدم المدرسة..!


بقلم: عمر حلمي الغول

الإستعمار والعلم نقيضان لا يلتقيا. على مدار تاريخ الإستعمار بكل أشكاله ومسمياته كان يقف حجر عثرة في طريق حصول الشعوب المستَعمرة على العلم، ويعمل بكل الوسائل على تجهيل الشعوب لإبقاءها في دوامة التخلف والتبعية. لإنه يدرك أن سلاح العلم يشكل رافعه هامة لنهوض وتطور الشعوب، ويسهم في إدراكها مخاطر الإستعمار، ويمنح نخبها وقواها الحية القدرة والكفاءة على صياغة برامج التحرر والإنعتاق من ربقة الإستعمار، والدفاع عن مصالح وأهداف شعوبها.

ومن تابع سياسات دولة الإستعمار الإسرائيلية منذ وجوها على الأرض الفلسطينية قبل سبعة عقود، وبعد إحتلالها لآراضي دولة فلسطين المحتلة في الخامس من حزيران/ يونيو 1967، رأي كيفية الإنتهاكات الخطيرة لملاحقة الكتاب والعملية التعليمية بكل مراحلها متبعا اساليب عديدة منها: إغلاق المدارس والمعاهد والمدارس، والإعتقال للمدرسين والأستاذة والطلاب والتلاميذ من مختلف الأعمار، وتغيير المناهج بما يتوافق ورؤيته الإستعمارية، كما في القدس العاصمة الأبدية لفلسطين، والتحريض الدائم على المناهج الفلسطينية حتى اللحظة المعاشة، واللجوء لهدم المدارس المجاورة لمستعمراته المقامة على الأرض الفلسطينية المحتلة، وذلك لحرمان التلاميذ والطلاب من العلم، وللضغط على التجمعات الفلسطينية للخروج "الطوعي" من مناطق سكناهم إن أمكن ذلك، لتأمين  العلم لإبنائهم في مدن وقرى فلسطينية أخرى بذرائع واهية ومخالفة للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية ولحقوق الإنسان، والحؤول دون دخول الكتب، المشاركة في معارض الكتاب الفلسطينية  لحرمان الشعب الفلسطيني من الوصول إليها لإسباب واهية، وحتى في السجون إتخذ سلسلة من القوانين الجائرة في السنوات الأخيرة لمنع وصول الكتب إلى أسرى الحرية، وحرمانهم من متابعة التحصيل العلمي في المدارس والجامعات، وغيرها من الأساليب الإستعمارية المتناقضة مع أبسط حقوق الإنسان.

وإذإ توقفنا أمام ما حصل يوم الأحد الماضي في جبل البابا، لأمكننا الوقوف على جانب من تلك السياسة الإستعمارية الإسرائيلية، حيث قامت جرافات الإحتلال بهدم المدرسة الإبتدائية، المكونة من صفين في تجمع أبو نوار البدوي، الذي يبلغ تعداد سكانه 600 مواطن والمجاور لمستعمرة "معالية أدوميم"، التي بناها الإتحاد الأوروبي للسكان لتأمين تحصيل أطفالهم العلم خير دليل على تلك الإنتهاكات.

وكما هو معروف المدرسة بنيت في إكتوبر/ تشرين أول من العام الماضي. وتبعد عن مكان سكن التجمع البدوي بعض الكليومترات، مما يؤثر على التلاميذ في فصل الشتاء في طريق الذهاب للمدرسة والعودة لبيوتهم. مع ذلك شكلت المدرسة المتواضعة فرصة لهم لتحصيل العلم، وإنقاذهم من الأمية، التي يريد الإستعمار الإسرائيلي تأبيدها في أوساط الشعب الفلسطيني عموما والتجمعات البدوية والنائية خصوصا.

وللعلم تجمع أبو نوار موجود قبل وجود الإستعمار الإسرائيلي عام 1967. ولكن القيادة الإسرائيلية ممثلة بأذرعها الأمنية كالإدارة المدنية لا تأبه بذلك، لإن هدفها طرد السكان من الجبل المذكور شرقي العاصمة الفلسطينية القدس، لإنها تريد توسيع مستعمرة "معالية أدوميم" على حساب السكان الفلسطينيين، ولعزل أكبر عدد من السكان الفلسطينيين عن عاصمتهم الأبدية، ليتمكن من تمرير وتوسيع مشروعه الإستعماري على كل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 بهدف بناء "دولة إسرائيل الكاملة" على كل فلسطين التاريخية.

ونفذت الإدارة الإستعماري (المدنية) جريمة الهدم للمدرسة، رغم وجود قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية بعدم هدمها، ومازال التدوال بشأنها جاريا في المؤسسات الإسرائيلية ذات الصلة. وتذرع الضابط المستعمر، الذي قرر الهدم، انه لم "ينتبه" للأمر؟! وهو عذر أقبح من ذنب.

وفي الوقت الذي تقوم دولة الإستعمار الإسرائيلية بهدم المدارس الفلسطينية، تقوم ببناء الجامعات والكليات والمعاهد لمستعمريها في المستعمرات الإسرائيلية كجامعة "اريئيل"، وغيرها من المستعمرات، وهو ما يشير بشكل جلي إلى عملية التمييز العنصرية تجاه أبناء الشعب العربي الفلسطيني. ويكشف الأهداف الإستعمارية الخبيثة لإسرائيل المارقة والخارجة على القانون.

ما جرى مع مدرسة تجمع أبو نوار لا يجوز أن يمر مرور الكرام، ويفرض على جهات الإختصاص الفلسطينية ملاحقة إسرائيل في المحافل العربية والدولية عموما ومع دول الإتحاد الأوروبي خصوصا، لإعادة بناء المدرسة، وتحميل إسرائيل المسؤولية عن ذلك، وربط المسألة بالعملية السياسية، لإن عملية الهدم، لا تقتصر على الجانب التعليمي، رغم أهميته وأولويته بالنسبة لإبناء الشعب الفلسطيني.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com