2018-02-04

وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ما بين تضييق النشاط والإستهداف..!


بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

عقدت ندوتنا الثقافية الخميسية ليوم الخميس 01/02/2018 تحت هذا العنوان، وقد وقف فيها المنتدون على نشأة وتأسيس وأهداف وغايات الوكالة ومصادر تمويلها  ونطاق عملياتها ومجالاتها المختلفة، وما تتعرض له أنشطتها من تضييق وحصار مالي بات يزداد شيئاً فشيئاً إلى المطالبة بوقف نشاطها وإلغاءها خصوصاً من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً، ويرتبط ذلك مع المشاريع التي تستهدف إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفق الخطة الأمريكية المسماة ظلماً (صفقة العصر) والتي تحمل في طياتها وغاياتها طي مشكلة اللاجئين وإلى الأبد وهي التي تمثل عنصراً عضوياً من عناصر القضية الفلسطينية، إلى جانب عنصر الأرض، وعنصر المقدسات، وعنصر السيادة والحرية والإستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية.

كل ذلك يؤدي إلى طرح سؤال كبير يتمثل في لماذا هذا التضييق والحصار والتشكيك بأهمية وضرورة إستمرار الوكالة في مهامها والقيام بأعبائها المنوطة بها؟ وصولاً إلى وقف نشاطها وإلغاءها نهائياً؟ كل ذلك كان محل العرض والحوار والتحليل في أمسيتنا المنوه عنها، وتعميماً للفائدة فإننا نقدم موجزاً وملخصاً للحوار والخلاصات التي توصلت إليها الأمسية.

بداية لابد من تعريف من هو اللاجئ الفلسطيني، هو الشخص الذي كانت فلسطين مكان إقامته الطبيعي خلال الفترة من 1 حزيران 1946 وحتى يوم 15 أيار 1948، أي الذي كان يقيم في فلسطين المحتلة عام 1948، والذي جرى تهجيره منها وفقد منزله ومورد رزقه نتيجة الصراع الذي أدى إلى تهجيره وإقامة الكيان الصهيوني على مساحة تجاوزت 78% من أرض فلسطين التاريخية ومن بعده أصبح أبناؤه وأحفاده يحملون هذه الصفة بسبب عدم تنفيذ القرارين الأمميين الأول القرار 181 لسنة 1947 الذي أوصى بتقسيم فلسطين إلى دولتين، والثاني القرار 194 لسنة 1948 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم التي هجروا منها، وقبل قيام الوكالة وتأسيسها، قامت منظمة الصليب الأحمر وعصبة جمعيات الصليب الأحمر ولجنة خدمات الصداقة الأمريكية بتقديم الإغاثة الطارئة للاجئين الفلسطينيين في أماكن لجوئهم والتي قدرت أعدادهم بـ 950 ألف لاجئ، إلى أن جرى تأسيس الوكالة من قبل هيئة الأمم المتحدة بموجب القرار 302 / 4 بتاريخ 08/12/1948 القاضي بتأسيس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين والذي حدد لها مهامها ونطاق عملياتها وطرق تمويلها الذي يعتمد على التبرع الطوعي من الدول والمؤسسات والمنظمات والأفراد لما يمكنها من القيام بواجباتها، وقد نقلت إليها مهام الهيئات والجمعيات التي قامت بهذه المهام قبل تأسيسها حيث إستطاعت أن تباشر عملياتها إعتباراً من 01/05/1950، وقد قدرت الوكالة عدد اللاجئين الفلسطينيين حينها 860 ألف لاجئ فلسطيني يتوزعون على عدد من المخيمات في مجال عملياتها التي حددت بالضفة الغربية وقطاع غزة والأردن وسوريا ولبنان، ولم تشمل اللاجئين الذين لجئوا إلى أية مناطق أخرى مثل العراق ومصر والسعودية والخليج العربي.

وبناء على الخدمات المحددة للوكالة فقد تمثلت:
أولاً: في تقديم الغوث الإنساني الطارئ المتمثل في المواد الغذائية والعينية لأسر اللاجئين.
ثانياً: في مجال التعليم الأساسي الذي يوفر التعليم لأبناء اللاجئين في المرحلة الإبتدائية والمتوسطة أي لمدة تسع سنوات، وشمل معاهد التعليم الفني أيضاً وقد زاد عدد المدارس التي تشرف عليها وكالة الغوث عن 750 مدرسة منتشرة في مناطق عملياتها المذكورة آنفاً.
ثالثاً: في مجال الخدمات الصحية حيث وفرت الوكالة المستوصفات الأولية في كافة المخيمات، والتحويل إلى مستشفيات خارج نطاق الوكالة.

تلك هي المجالات الأساسية لنشاط ولعمليات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين والبندين الثاني والثالث اليوم يمثلان القطاعين الأساسيين لنشاطها ويستهلكان أكثر من 80% من ميزانية الوكالة.

وحسب القرار المنشئ للوكالة فإنها تتعاون مع المنظمات الأممية الأخرى التي لها علاقة مباشرة بمهامها مثل منظمة الصحة العالمية، وهيئة اليونسكو وغيرها من المنظمات والوكالات الأممية المتخصصة.

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا إستمرت الوكالة في القيام بهذه المهام طيلة هذه العقود الممتدة منذ تأسيسها إلى اليوم، الجواب الطبيعي السريع، هو لأن الحاجة التي أوجدتها لازالت قائمة ولم تنتفي طالما اللاجئون الفلسطينيون لم يعودوا إلى مدنهم وقراهم التي هجروا منها حسب نص القرار الأممي رقم 194 لسنة 1948 والقاضي بالعودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين، ولذا تستمر الحاجة لبقاء هذه المؤسسة الدولية للقيام بمهامها وأعباءها الإنسانية إلى أن يتم حل هذه المسألة على أساس تنفيذ هذا القرار 194.

ورغم التقليص الشديد لخدمات الأنروا في السنوات الأخيرة إلا أن الحاجة لها لازالت قائمة، فقد كان نصيب اللاجئ الفلسطيني من خدمات الأنروا في عام 1975 يقدر بـ 200 دولار أمريكي سنوياً فقد إنخفض في عام 2017 إلى مبلغ 110 دولار أمريكي وذلك لعوامل عدة أهمها:
(1)- الإنفجار الديمغرافي للاجئين الفلسطينيين الذين يربو عددهم عن 5.5 مليون نسمة.
(2)- إنخفاض مستوى التبرعات المقدمة للوكالة والذي لم يعد يتناسب وإحتياجاتها لإتمام عملياتها.
(3)- إرتفاع تكلفة الإدارة المشرفة وهذا على حساب نصيب اللاجئ مباشرة.
(4)- هناك لاشك بوجود دوافع سياسية تهدف لتقليص خدماتها المقدمة لإنهاءها وإلغاءها، لما تمثله من شاهد إثبات على الجريمة الإنسانية وجريمة الحرب الكبرى التي إرتكبتها العصابات الصهيونية في تهجيرهم وإغتصاب أرضهم وقراهم ومدنهم.

ويجب الإشارة إلى الفرق بين وكالة الغوث والمفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة، والتي تخدم اللاجئين بصفة عامة في العالم، في حين أن الأولى مقتصرة على اللاجئين الفلسطينيين، وقد كان تأسيس الوكالة سابقاً على تأسيس المفوضية السامية للاجئين.

ومن الأسئلة التي تطرح في هذا المجال، هل هناك من دور سياسي للأنروا أو أي دور في المفاوضات من أجل السلام، وخصوصاً في مجال النقاشات حول قضية اللاجئين؟
الجواب لا كبيرة، لأن الأنروا هي وكالة إنسانية ويعمل تفويضها على تعريف دورها بإعتبارها وكالة تقدم الخدمات للاجئين، ولكنها تسلط الضوء على إلتزام المجتمع الدولي بضرورة حلٍ عادل ودائم للاجئين الفلسطينيين وفق القرار 194 لسنة 1948.

ولذا يأتي إستهداف وكالة الأنروا من قبل الكيان الصهيوني وكذلك من قبل الولايات المتحدة بغرض إنهاء وإلغاء مسألة اللاجئين الفلسطينيين وتهميشها في أي حل سياسي للقضية الفلسطينية حيث بات الكيان الصهيوني ومعه الولايات المتحدة يعتبرونها قضية يجب حلها حيث يقيم اللاجئون اليوم ضمن رؤيا لا تتعدى البعد الإنساني القائم، وإستبعاد حق العودة وإخلاء مسؤولية الكيان الصهيوني عنها، وأن يكون حلها على أسس لا تؤدي إلى عودتهم إلى مدنهم وقراهم التي هجروا منها، لما يمكن أن يؤديه من إخلال بالتركيب السكاني للكيان الصهيوني القائم على فكرة النقاء العرقي والديني من جهة والتوسع وسلب الأرض خالية من سكانها من جهة أخرى.

من هنا خلصت الندوة إلى نتائج هامة تتمثل في:
أولاً: ضرورة إستمرار وكالة الغوث بمهامها وضمن مناطق عملياتها (فلسطين، الأردن، سوريا، لبنان) حتى تنتفي الأسباب التي أنشئت الوكالة من أجلها.
ثانياً: العمل على توفير الموازنات الكفيلة بتغطية نشاطاتها وحث الدول والمنظمات والمؤسسات والأفراد على التبرع الطوعي لميزانيتها.
ثالثاً: تعويض المبالغ التي كانت تتبرع بها الولايات المتحدة من أية جهات أخرى، لإفهام الولايات المتحدة حرص الفلسطينيين والعرب وكافة الدول على القيام بالواجب الأخلاقي والإنساني تجاه اللاجئين الفلسطينيين حتى يتم تنفيذ القرار 194 لسنة 1948 القاضي بالعودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين.
رابعاً: مركزية مسألة اللاجئين الفلسطينيين في أي مفاوضات أو أي تسوية سياسية تستهدف إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس القانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية وفي مقدمتها القرار 194.
خامساً: التأكيد على المسؤولية الأخلاقية والقانونية أولاً للكيان الصهيوني من مسألة اللاجئين الفلسطينيين وضرورة التأكيد على إلزامه بتنفيذ القرار 194.
سادساً: التأكيد على المسؤولية الأخلاقية والقانونية للمجتمع الدولي بإستمرار توفير الدعم لوكالة الغوث كي تؤدي مهامها، حتى تنتفي الأسباب التي أدت إلى إنشاءها.

نخلص من كل ذلك إلى أن إستهداف الأنروا بتضييق ميزانيتها وخدماتها، يستهدف إلغاءها كمقدمة لإلغاء قضية اللاجئين من أية مفاوضات مقبلة وإعفاء الكيان الصهيوني من مسؤولياته الأخلاقية والقانونية إزاءها، وشطبها من أجندة المفاوضات التي قد تحصل، وإذا ما أضيف إلى ذلك المواقف المعلنة للإدارة الأمريكية برئاسة ترامب من مسألة القدس والأن من مسألة حجب الدعم عن وكالة الغوث، يظهر هذه الأهداف السياسية الجهنمية للكيان الصهيوني والولايات المتحدة الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية وحلها وفق الرؤيا الصهيونية.

إن مثل هذه الرؤيا سوف تقاوم من قبل الشعب الفلسطيني وقيادته وكذلك من قبل الأشقاء والأصدقاء وفي مقدمتهم الدول التي اعتبرت مضيفة للاجئين الفلسطينيين وفي مقدمتهم السلطة الفلسطينية والأردن وسوريا ولبنان، وسيجري رفض حل مشكلة اللاجئين على أراضي تلك الدول بالتوطين وخصوصاً أن اللاجئين الفلسطينيين يرفضون مطلقاً مبدأ التوطين وأن غالبيتهم العظمى تؤكد على حقها في ممارسة حق العودة والذي يكفله القانون الدولي والشرعية الدولية ممثلة في القرارات الأممية المتعاقبة التي تؤكد على ذلك بدءا من القرار 194 إلى مختلف القرارات التي تصدرها الأمم المتحدة بهذا الشأن سنوياً.

لذا ستبقى قضية اللاجئين جوهر القضية الفلسطينية ولا حل ولا تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون حل عادل لمسألة اللاجئين وفق القرار 194 لسنة 1948 سواء واصلت وكالة الأنروا قيامها بمهامها أو أجبرت على التوقف بفعل الضغط الأمريكي.

هذا موجزاً عما تمخضت عنه الأمسية الثقافية ليوم الخميس 01/02/2018، وأحببنا  وضعه بين يدي الجميع تعميماً للفائدة وتعريفاً بوكالة الغوث وأهمية بقاءها إنسانياً وقانونياً وسياسياً كشاهد على الجريمة التي اقترفت بحق الشعب الفلسطيني من قبل الكيان الصهيوني والقوى الإستعمارية التي وفرت له أسباب الجريمة الإنسانية والتي هي جريمة حرب كاملة الأركان.

* عضو المجلس الوطني الفلسطيني - الرياض. - pcommety@hotmail.com