2018-02-02

الفلسطينيون بيضة القبان..!


بقلم: عمر حلمي الغول

عندما يصاب شخص ما أو حزب او دولة بالغرور لا يعود المنطق يحكم تصرفات اي مستوى. لإن سلوك الإستعلاء والغطرسة يصبح، هو المحرك والموجه لأية مواقف تصدر عن الدولة او الحزب او الفرد. ويبتعد كل منهم كثيرا عن الخطاب الموضوعي في محاكاة أي مسألة من المسائل التي تواجهه. ويسمح كل منهم لنفسه بإطلاق مواقف متطيرة في محاكمة أي موضوع دون تدقيق في جوانبه المختلفة.

من قرأ ما ورد في صحيفة "الحياة" اللندنية الجمعة (2/2/2018) عما ذكره جيسون غرينبلات أثناء لقائه مع القناصل الأوروبيين المعتمدين في القدس الأسبوع الماضي، يصل للنتيجة المذكورة أعلاه، حيث يتضح منطق الغرور والغطرسة في مقولات المندوب السامي الأميركي، وهو يخاطب القناصل بكثير من "الثقة" المتعالية، والإستخفاف بالآخر الفلسطيني والعالمي، عندما يقرر بإسم إدارته بأن "الطبخة على النار"، وهو يقصد " صفقة القرن"، ولم يتبق سوى إضافة القليل من الملح والبهارات." وردا على سؤال أحد الحضور فيما لو رفضت السلطة الفلسطينية المطروح، رد بإستهتار لا يليق برجل يعمل في مركز قرار سياسي لدولة عظمى، فقال : أن "الفلسطينيين ليسوا طرفاً مقررا، والخطة الجاري إعدادها، هي خطة للإقليم. الفلسطينيون طرف فيها، لكنهم ليسوا الطرف المقرر، بل الأقليم."

ويعتبر غرينبلات أن الهدف من عملية السلام، هو إقامة تحالف أقليمي يضم العرب وإسرائيل لمقاومة "الخطر الإيراني" و" الإرهاب". وقال في اللقاء "إنه لا يمكن إقامة تحالف إقليمي من دون حل المسألة الفلسطينية. لكنه أضاف أنه "لا يمكن ترك الطرفين ليتفاوضا إلى الأبد ... لا بد من تقديم حل يرضي الأطراف كافة وتطبيقه."

وإذا توقف المرء أمام ما ورد أعلاه، وبدأ بالنقاط، التي يمكن الإتفاق عليها، مع الإدراك أن الخلفيات مختلفة، وهي انه بات من الضروري حل المسألة الفلسطينية، ولا بد من منح الفلسطينيين حقوقهم الثابتة والمقبولة عبر إلزام إسرائيل بدفع إستحقاقات التسوية السياسية، والإنسحاب الكامل من أراضي دولة فلسطين المتحلة في الخامس من حزيران / يونيو 1967 بما في ذلك عاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق عودة اللاجئين الفلسطينيين على اساس القرار الدولي 194. لا سيما وانهم الفلسطينيون لا يريدون تأبيد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، وهم اول من ينادي بحلها فور ضمان عودتهم لوطنهم الأم، الذي طردوا منه في أعقاب نكبتهم عام 1948 ونكسة 1967. ولكن طالما بقي لاجىء فلسطيني ستبقى وكالة الغوث، وليست أميركا من يقرر من هو اللاجىء من غير اللاجىء، الذي يقرر ذلك، هو مواثيق وقرارات وقوانين الشرعية الدولية.

كما ان الفلسطينيين ليسوا مع بقاء دوامة المفاوضات مفتوحة إلى ما لا نهاية. هم وفي أكثر من مناسبة وبلسان الرئيس محمود عباس وباقي اركان القيادة الفلسطينية  نادوا بوضع جدول زمني لإنهاء المفاوضات، كون ملفات الحل النهائي تم التوقف امامها، وبحثها الطرفان عشرات المرات، وباتت محدداتها واضحة وجلية. ولكن حكومات إسرائيل المتعاقبة تهربت من الإلتزام بدفع إستحقاقات التسوية السياسية، وأصرت وتصر على مواصلة الإستيطان الإستعماري في أراضي الدولة الفلسطينية المحتلة عام 1967، وقتلت عمليا ركائز عملية السلام، والمثير للغضب والإشمئزاز أن إدارة ترامب تساوقت ودعمت سياسات حكومة الإئتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل، التي يمثلها المندوب غرينبلات. عندما أعلنت بشكل واضح، أنها "لا تعتبر الإستيطان الإستعماري معيقاً للمفاوضات!"، وحين لا حق ممثلو الإدارة المنظمات الأممية الداعمة للحقوق الفلسطينية العادلة والمشروعة، وزاودوا على إسرائيل المارقة نفسها بالإنسحاب من منظمة "اليونيسكو"، وحين هددت هيلي بإستخدام حذائها ضد كل من يأخذ موقف إيجابي لدعم الحقوق الفلسطينية، ويفضح ويعري سياسات إسرائيل العنصرية والفاشية، وغيرها من المواقف، التي توجها الرئيس دونالد ترامب بالإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في السادس من ديسمبر/ كانون أول 2017، ثم خطاب مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي في ال22 من يناير / كانون ثاني 2018 في الكنيست، الذي عبر فيه عن الدعم المطلق لحكومة اليمين المتطرف بزعامة نتنياهو، والتهديد والوعيد بقطع المساعدات عن الفلسطينيين، وإغلاق مكتب ممثلية منظمة التحرير، ووضع منظمة التحرير على قائمة طالإرهاب"، وغيرها الكثير من المواقف.

النتيجة الفلسطينيون مع أي قوة دفع حقيقية لبناء ركائز السلام، وبأسرع وقت ممكن، وفق مرجعيات عملية السلام وقوانين وقرارات الشرعية الدولية والحقوق التاريخية الفلسطينية المقبولة. ولكن ليس عبر الرعاية الأميركية، التي تخلت هي نفسها عن ذلك الدور بعد الإعتراف بالقدس، أحد أهم ملفات الوضع النهائي، إنما من خلال رعاية أممية تكون أميركا جزءا منها.

أما منطق الإستعلاء والغطرسة، الذي إستخدمه مندوب أميركا غير السامي، بالقول ان الحل الإقليمي و"الطبخة" ملزمة للجميع، وأن الفلسطينيين "طرفاً فيها، ولكنهم ليسوا مقررين". فهذا مردود على السيد غرينبلات وإدارته. الطرف الفلسطيني، هو الرقم الصعب، وهو بيضة القبان، وبدونه لا يمكن لا للإدارة الأميركية، ولا للعرب أو العجم، ولا لغيرهم التقرير في أي حل دون موافقة قيادة منظمة التحرير والشعب الفلسطيني. ولا يريد المرء، ان يعيد السيد الأميركي لدروس التاريخ ليتعرف على الفلسطينيين، لإنه يجهلها تماما، ولكن ما يملكه الفلسطينيون من أوراق القوةـ، أعظم بكثير من جبروت وعظمة الولايات المتحدة وقنابلها النووية والهيدروجينية، وأعظم من إسرائيل الإستعمارية وترسانتها العسكرية والإستعمارية.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com