2018-02-01

الرئيسان ترامب وعباس وعلاقات القوة


بقلم: د.ناجي صادق شراب

العلاقات بين الرؤساء مهمة في نسج علاقات سياسية قوية، ومتقابلة حول مصالح مشتركة. ولا يبدو أن هذه العلاقات الشخصية قد حكمت الرؤساء في أمريكا بالرئيس محمود عباس، ومن قبله الرئيس الراحل ياسر عرفات. فالعلاقة تحكمها عوامل كثيرة سياسية وإقتصادية وغالباً شخصية.
 
ربما كانت العلاقات في أحسن حالاتها بين الرئيس عرفات والرئيس بيل كلينتون الذي زار غزة، وأفتتح مطارها، وكان يمكن البناء عليها في الوصول لتفاهمات ومواقف سياسية يمكن أن تساهم في موقف أمريكي أقل إنحيازا لإسرائيل.

هذه العلاقة لم تعد قائمة بين الرئيس محمود عباس والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقبله الرئيس باراك أوباما. والهدف من هذه العلاقة ليس المقارنة بين نموذجين غير متكافئين، وغير متقابلين، فالمقارنة هنا تكون ظالمة. فالرئيس الأمريكي يستمد قوته من قوة الولايات المتحدة الأقوى في العالم، وكل رؤساء أمريكا وخصوصاً الرئيس ترامب ينظرون للعالم نظرة فوقية إستعلائية، فما بالنا بالموقف من الرئاسة الفلسطينية ، فهم لا ينظرون للرئيس عباس على أنه كأي رئيس في العالم، وهو بالنسبة لهم رئيس أقرب إلى رئيس مؤسسة أو شركة، وهذه النظرة الإستعلائية بدت مظاهرهاً بشكل كبير وواضح مع الرئيس ترامب.

وعلى الرغم من اللقاءات والإتصالات التي تمت بين الرئيس عباس والرئيس وترامب في أقل من سنة كانت كافية لبناء علاقة أكثر موضوعية، وتفهما، لكن بقيت العلاقات الشخصية بينهما فاترة. وصحيح ان الرئيس الأمريكي في معادلة القوة هو القوي، لكن الرئيس عباس أيضا هو الأقوى في معادلة القوة الشاملة، وأقصد العوامل والمحددات التي تحكم هذه العلاقة ، ومن منظور المصالح الأمريكية العليا في المنطقة. فالرئيس عباس صحيح انه رئيس لسلطة تحت الاحتلال عملياً، وليس رئيس دولة لها قراراها السيادي الكامل، لكنه في الوقت ذاته هو الرئيس الأقوى لأقوى قضية عادلة وشرعية في العالم. فقوة الرئيس عباس من قوة القضية، وشرعيتها الدولية، وقوة الحقوق الفلسطينية، ومن قوة الشعب الفلسطيني ، ويكفي انه أنتزع حضوراً دولياً وإقليمياً حتى الآن لم يحققه الرئيس ترامب، وليس من قوة المنصب كالرئيس الأمريكي.

وهنا معادلة المقارنة، قوة المنصب قد تبدو في الداخل، أي قوته في القرارات التي يأخذها في القضايا الداخلية، وليست بالضرورة في القضايا الخارجية، عكس الحال فلسطينياً، قوته في الخارج وفي شبكة العلاقات الخارجية، وفي المواقف الدولية الداعمة للقرار الفلسطيني.

وهذه العلاقة تحكمها عوامل كثيرة منها قوة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وتأثيره على قرارات الرئيس الأمريكي في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وفي كون إسرائيل قضية داخلية في السياسة الأمريكية، وفي نمط العلاقات الشخصية التي تحكم الرئيس ترامب بنتانياهو، رئيس وزراء إسرائيل، والعلاقات بينهما كما يؤكدان عليها علاقات حميمية بعد علاقات الجفاء والتوتر مع الرئيس أوباما ومن العوامل الأخرى المهمة في تحديد هذه العلاقة منظومة القيم والأيدولوجية والمعتقدات التي يؤمن بها الرئيس ونائبه بينس كما رأينا، والمقصود هنا دور المسيحية الأصولية التي يزيد معتنقوها عن ستين مليونا، والذين يربطون بين عودة المسيح وقيام إسرائيل الكبرى، وهذه المعتقدات هي التي تحكم وتفسر لنا قرار الرئيس الأمريكي بالإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبزيارة إسرائيل وبزيارة الحائط. وهناك عوامل تتعلق بشخصية الرئيس نفسه.

وفي حالة الرئيس ترامب نحن أمام نموذج فريد من الشخصية الرئاسية، فدرجة النرجسية مرتفعة لديه، وعدم قبوله النقد، فهو يعتقد انه دائما على صواب، لديه نزعة شعبوية عنصرية وإستعلائية واضحة وغير مسبوقة.

ولذك فإن نقد الرئيس عباس له في خطاباته وتصريحاته ومقولته التي ستدخل تاريخ العلاقات السياسية، أو قل موسوعة جينس «يخرب بيته»، هذه العبارة التي إعتبرها إهانة ومساساً بكرامته وكرامة الأمريكيين، لدرجة تصريحه بذلك في لقاءاته في منتدى دافوس الأخير.فإن هذا التوصيف لم يجرؤ أي رئيس على قوله، ومن قبله الرئيس عرفات الذي قال لا . وكان الثمن حياته.

وهل يتكرر هذا النموذج في العلاقة مع الرئيس عباس؟ في السياسة كل الخيارات مفتوحة، وتلعب المصالح الإستراتيجية الأمريكية العليا في الشرق الأوسط دورا مهما في تحديد العلاقة، وهذا العامل عامل يتدخل مع العوامل السابقة، وقد يعمل في الصالح الفلسطيني. وأحد مصادر قوة الرئيس عباس ان الرئيس بيده مفتاح رسم الخريطة السياسية للمنطقة كلها، والولايات المتحدة تدرك ذلك. وقوة الرئيس عباس في ضعفه كرئيس لسلطة تحت الاحتلال، لكن قوته التي يتمتع بها هي بما يمثله من مشروع سياسي يصعب ان يكون له بديل، فالرئيس عباس بيده مفتاح السلام ومفتاح الحرب بصموده وتمسكه بالمشروع الوطني الفلسطيني الذي يقوم على الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي هذا السياق فإن خطورة المواجهة بين الرئيسين حول مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة سيحمي المشروع العربي ويحول دون مشروع التفكيك السياسي للمنطقة برمتها.. وإشكالية العلاقة بين الرئيسين التخوف من نرجسية الرئيس ترامب وعدم قبوله التحدي الذي يبديه الرئيس الفلسطيني، وهنا يكمن سياسات التهديد والضغط المالي والسياسي، وصولا للتهديد بالتخلص من الرئيس عباس، وهي سياسة تمارس ضد الرؤساء التاريخيين الذين يقفون في وجه المشروع الأمريكي الذي يسعى إليه الرئيس الأمريكي. وأخشى ان تختزل العلاقة في العلاقة الثنائية، وتضخيم إسرائيل لها بما يخدم مصالحها، والعمل على تدهورها. وهذا ما ينبغي تجنبه.

وأخيرا فإن ضعف الرئيس ترامب في قوته، وقوة الرئيس عباس في ضعفه، وهذه هي معادلة العلاقة بينهما، وفي النهاية سينتصر الضعف المدعوم بالحق والشرعية الدولية.

وقد يذهب الرئيس ترامب ويبقى الرئيس عباس.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com