2018-01-31

المواجهة المكشوفة..!


بقلم: عمر حلمي الغول

المواجهة بين الولايات المتحدة والفلسطينيين، مواجهة قديمة أقدم من إعتراف الرئيس ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل في السادس من ديسمبر 2017. ولكنها فيما مضى كانت تقوم على قاعدة إقرار الإدارات الأميركية السابقة (بعد التوقيع على إتفاقيات أوسلو 1993) بحق الفلسطينيين في إستقلال دولتهم على حدود الرابع من حزيران عام 1967، والقدس الشرقية جزءاً لا يتجزء من تلك الأراضي عبر التفاوض بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي . وعندما يحاول الأميركيون فتح قوس المناورة حول موضوع القدس، كانوا يستخدمون مصطلح "القدس عاصمة للدولتين." لكن الثابت في السياسة الأميركية يرتكز على ما ذكر آنفا. والدليل الأخير على ذلك إنعكس في عدم إستخدام إدارة أوباما السابقة حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن 2334 في 23 من ديسمبر 2016.

ورغم معرفة القيادة الفلسطينية المسبق بالإنحياز الأميركي المطلق لإسرائيل، غير انها قبلت العمل على أساس مبدأ " تناقض تفاهم تناقض" لدفع عملية السلام قدما للأمام. لا سيما وان الفريقين الأميركي والفلسطيني بحدود ما هو معلن ومنشور، وعبر الإتفاقات المبرمة بينهما الثنائية والأممية، أكدا رغبتهما بتحقيق تسوية سياسية. مع ان الإدارات المتعاقبة الجمهورية والديمقراطية لم تمارس نفوذها  وصلاحياتها، كما يجب لإلزام إسرائيل بإستحقاقات عملية السلام، الأمر الذي سمح لإسرائيل الإستعمارية بإستباحة كل المصالح والحقوق الوطنية الفلسطينية، وتجلى ذلك عبر تخندقها في مواقع الإستيطان الإستعماري، والعمل التدريجي على قتل عملية السلام الممكنة والمقبولة من قبل الفلسطينيين والعرب والعالم على حد سواء.

لكن مع مجيء إدارة الرئيس ترامب تغيرت معادلة التناقض والصراع بين الإدارة الأميركية والقيادة والشعب الفلسطيني والعالم ككل، فأصبح المبدأ الناظم للعلاقات الثنائية "التناقض التناحري"، وإنتفاء جسور التواصل النسبي بينهما. ورغم إدعائه (ترامب) بالرغبة في تحقيق السلام المنشود من خلال "صفقة القرن"، ومداهنته للرئيس ابو مازن خلال اللقاءات الأربعة، التي جمعتهما، والإتصالات الهاتفية الخمسة، التي تمت بينهما، حيث حاول الإيحاء بأنه جاد في بلوغ التسوية السياسية المنشودة، حتى انه كان يستخف بالرؤساء الأميركيين السابقين، كيف لم يتمكنوا من تحقيق التسوية السياسية؟

لكن هذا الإدعاء المتعجرف إنكشف على حقيقته وبشكل مثير للسخرية والغضب في آن، عندما أعلن إعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل في ديسمبر الماضي. وكرر موقفه أكثر من مرة مع نائبه المتصهين بنس، بأن "القدس أزيلت عن طاولة المفاوضات!؟" وكأن القدس ملكية خاصة أميركية، وتناسى أنها أحدى أهم ملفات التسوية النهائية مع قضية اللاجئين والإستقلال السياسي. ثم تابع مع أركان إدارته ذات الإسطوانة المشروخة بأن "القدس لم تعد عقبة". كأنه يحاكي نفسه، ويفترض ان ما يقوله "لا ينزل الأرض" بإعتباره "قائد الكرة الأرضية المطاع" نتاج هواجس النرجسية والغطرسة الذاتية. ونسي أن الشعب الفلسطيني وقيادته الشجاعة والحكيمة والمرنة لن تقبل بإملاءاته ولا بسياسته، وفلسطين وعاصمتها القدس ليست للبيع ولا للمبادلة او التعويض. ولم يكن يتوقع ساكن البيت الأبيض أن الشعب الفلسطيني الصغير والضعيف، هو شعب عظيم وقوي بإمكانياته وبحقوقه العادلة، وبكفاحه الوطني وإستعداده للتضحية دفاعا عن الثوابت الوطنية، وبتضامن العالم معه، وبرغبته الأكيدة والشجاعة بالسلام العادل والممكن والمتفق مع قرارات ومواثيق ومعاهدات الشرعية الدولية ومرجعيات عملية السلام.

ومع ذلك لم يراجع دونالد ترامب نفسه، ومضى أول أمس في خطابه الأول للأمة الأميركية في التحريض على الشعب والقيادة الفلسطينية، ودعا المؤسسات التنفيذية والتشريعية في الولايات المتحدة لمواصلة حصارها وفرض عقوباتها على الفلسطينيين، لإنهم رفضوا الإلتزام بإرادته المجنونة والرعناء، وإعتبر ذلك تحديا شخصيا له. لانه لا يفقه الف باء علم السياسىة، ولم يدرك ترامب صلابة وشجاعة الرئيس ابو مازن، معتقدا أنه رجل "ضعيف" و"يخشى المواجهة"، لكن الوقائع على الأرض، أكدت مرة أخرى لترامب وبنس الفانجليكانيين ولإسرائيل من خلفهم، ان الرئيس عباس هو الأشجع، والأقدر على قول: لا كبيرة لإية إملاءات سياسية تنتقص من الحقوق والثوابت الوطنية. رغم ان رئيس منظمة التحرير الفلسطينية لم يكن، ولا يرغب، ولا يريد أية مواجهة مع أي قوة سياسية عربية او دولية وخاصة الولايات المتحدة، بل العكس صحيح عمل ويعمل على إستقطاب الدول والقوى لجانب الحق الفلسطيني وبالحد الأدنى تحييدها، إلآ في حال الإعتقاد بأن هذة الدولة او القوة ام تلك الشخصية  تتآمر عليه وعلى القضية عندئذ تغلق كل الأبواب في وجهها. وبالنتيجة  النهائية عندما تفرض المعركة عليه وعلى شعبه وأهدافه لا ينتظر ولا يتررد في الدفاع عن الذات والمصالح العليا للشعب العربي الفلسطيني وبعيدا عن التطير والتطرف، ولكن بتصميم وعزيمة لا تلين.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com