2018-01-30

حرب الكلام بين الفلسطينيين وأمريكا والرؤية السياسية الغائبة..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لست بصدد التأريخ السريع للعلاقات الفلسطينية الأمريكية، فهذه العلاقات هي الوجه الآخر للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية. ولست بصدد تكرار نفس المقولات التي تؤكد إنحياز السياسة الأمريكية لإسرائيل، فهذه من بديهيات السياسة الأمريكية، ولسنا بحاجة للدهشة والإستغراب لأي موقف او قرار أمريكي لتبني الموقف الإسرائيلي. فالقول ان إحتكار وفشل الولايات المتحده للمفاوضات على مدار عقدين، هذا يعتبر قصور في قراءة السياسة والموقف الأمريكي، وقد لا يخرج عن مبررات فشل في إدارة العملية التفاوضية.

ليس من الحكمة السياسية الإنتظار كل هذه السنين لنصل لهذه النتيجة، والأمر نفسه ينطبق على قرار الرئيس الأمريكي ترامب الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والشروع في نقل سفارته من تل أبيب إلى القدس الغربية. هذا الموقف كان متوقعا، وإحتمالاته قوية، وبدأت إرهاصته مع حملته الإنتخابية، وأذهب أبعد من ذلك أن هذا القرار بات الآن مرتبطا برغبة الرئيس ترامب في رئاسة ثانية وهذا حال كل رؤساء الولايات المتحدة، فالرغبة في رئاسة ثانية تبدأ من اليوم الأول لتولي الرئاسة. ولو سألت أي رئيس أمريكي في اليوم الأول لرئاسته لقال لك أحكم لرئاسة ثانية.

ولست بصدد المقارنة بين قوة الدولة الأحادية في العالم وبين قوة السلطة الفلسطينية، ولا أقول قوة الشعب الفلسطيني التي لا تقهر مهما كانت قوة الولايات المتحدة. وهذا يعني الحاجة لرؤية سياسية واضحة في التعامل مع موقف الإدارة الأمريكية، وعندما أقول رؤية فهذا يعني إستراتيجية واضحة في أهدافها وآلياتها.

لا بد أن يكون الهدف واضحا، وهنا ما هو الهدف من الحرب الكلامية التي باتت تحكم العلاقات؟ هل الهدف الدخول في مواجهة غير محسوبة، ولا تدرك تداعياتها؟ أم ان الهدف الدخول في حالة من العداء؟ والعداء هنا مع الإدارة الأمريكية فقط؟ ام أن الهدف مجرد الضغط على الإدارة الأمريكيه للتراجع عن قرارها؟

وإذا كان الهدف الأخير هو هدف هذه الحرب الكلامية، فهذا هراء سياسي، وعدم تفهم لآليات وميكانيزمات السياسة الأمريكية، وعدم فهم لمكونات وبيئة القرار الأمريكي الذي تلعب البيئة الداخلية، وقوة اللوبي الصهيوني دورا مؤثرا ومباشرا في قرار الرئاسة وقرار الكونجرس الأمريكي، فالذي يحكم القرار هنا المال والصوت وهما ما تتحكمان فيهما إسرائيل.

تحديد الهدف مطلوب وأساس أي حراك سياسي، لكن ان تخرج هذه التصريحات وبهذه القوة الكلامية وكأننا نسجل نقطة، ورغبة في الشهرة السياسية من أصحابها، الوطنية لا تقاس بهذه التصريحات. نشهد تسارعا من الكل على شن هذه الحرب الكلامية. قد يفهم البعض أني أدعو للإذعان والخضوع، فهذا بعيدا تماما فموقف الطفلة عهد التميمى اقوى من الكثير من التصريحات. ما أقصده ان يكون لنا هدف واضح ومحدد وقابل للتحقيق والتنفيذ. والعنصر الثاني تحديد الآليات المؤثرة على القرار السياسي الأمريكي. وهنا نعم يمكن التأثير، ويمكن تعديل القرار، ولكن لا أتوقع إلغائه بشكل كامل، لكن التفسير والتعديل قد يحمل في سياقه التراجع.

والسؤال هل نملك آليات للتأثير؟ قد يتساءل البعض وما آليات التأثير؟ اعتقد كثيرة، وليس بالضرورة إمتلاك عناصر القوة الصلبة من جيش ومال، وهذا غير متوفر. لكن يملك الفلسطينيون عناصر كثيرة من القوة الناعمة، والقوة الدولية الداعمة، والقوة العربية والإسلامية، في حلول ولا تسويات بدون التسوية السياسية للقضية وركيزتها قيام الدول الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

لعل من أهم عناصر التأثير التي يملكها الفلسطينون، قدرتهم في التأثير على مكانة وهيبة الولايات المتحدة في المنطقة، بل والعالم. هذه المكانة وهذا الدور منوط بالموقف الفلسطيني والقضية الفلسطينية، ويمكن للفلسطينيين تحجيم هذا الدور في المنطقة، وهي منطقة إستراتيجية للمصالح الأمريكية. وبالتالي يمكن التأثير على هذه المصالح. والتأثير الآخر توضيح وتبيان أن هذه القرارات والسياسات الأمريكية الداعمة لإسرائيل لها مردود عكسي حتى على أمن إسرائيل، بمعنى إرسال رسالة قوية ان الهدف منها لن يتحقق بدون الإستجابة للمطالب الفلسطينية، وتفهم الحقوق المشروعة للفلسطينيين.

التأثير في البيئة السياسية الأمريكية الداخلية وإن كانت هناك تحديات وصعوبات كثيرة للإقناع في بيئة تسودها الأصولية المسيحية والشعبوية، لكن هذا لا يمنع من محاولة التغلغل والتأثير، وهنا لدينا دبلوماسيان ناشطان د. رياض منصور وحسام زملط، وهما يتعايشان داخل المجتمع الأمريكي، وغيرهما من النخب الفكرية والأكاديمية البارزة، ويمكن ان يقدما تصورا إستراتيجيا للتأثير على عناصر التأثير في الرآي العام الأمريكي من منطلق ان السياسة الأمريكية الداخلية توصف بسياسة الباب المفتوح. ولا شك هذا يحتاج لدعم عربي وإسلامي ومن الدول الصديقة. ومن أهم الآليات الثبات على الموقف الفلسطيني وعدم التراجع تحت ضغط التهديدات السياسية والمالية، فخبرة التعامل مع السياسة الأمريكية في النهاية ستكتشف خطأ سياساتها وقرارتها.

ومن الآليات تفعيل للآليات القانونية حتى داخل السياسة الأمريكية، وعلى المستوى الدولي تفعيل دور الشرعية الدولية، والمسؤوليه الدولية، وتفعيل لدور القوى البديلة كالدور الأوروبي والصيني والروسي وإحياء دور القوى المتصاعدة كالهند. هذه الآليات تحتاج إلى بنية سياسية فلسطينية داخلية قوية ومتماسكة ومتوحدة حول رؤيتها الوطنية، وبدون هذه البنية السياسية ستبقى الخيارات والقرارات الفلسطينية عديمة الجدوى، وكمن يحرث الأرض لغيره.

توحيد اللغة السياسية، وتركيز التصريحات السياسية، وتوظيف المفردات السياسية في مكانها الصحيح والسليم، الكل يمكنه ان يصرخ، لكن المهم ان تصل الصرخة والصوت. هذه خيارات تحتاج لوقت، ففي السياسة لا نملك عصا سيدنا موسى عليه السلام.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com