2018-01-01

في ذكراها الـ 53: الثورة الفلسطينية والشرعية الدولية


بقلم: د. إبراهيم أبراش

تأتي الذكرى الثالثة والخمسون للثورة الفلسطينية المعاصرة التي أعلنت حركة "فتح" انطلاقتها في الفاتح من يناير 1965 في ظل ظروف صعبة يمر بها شعبنا في كل أماكن تواجده، إلا أن صعوبة المرحلة تؤكد مجددا على صحة منطلقات وأهداف الثورة والمقاومة كما عبرت عنها ومارستها بداية حركة "فتح" و فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
 
بالرغم من التحديات التي واجهت حركة المقاومة الفلسطينية وحالت بينها وإنجاز هدف التحرير، وبالرغم من الأخطاء والتجاوزات التي صاحبت العمل الفدائي سواء داخل الوطن أو في ساحات الخارج إلا أن المقاومة أنجزت هدفا وطنيا استراتيجيا وهو تحويل الشعب الفلسطيني من جموع لاجئين إلى شعب صاحب قضية وطنية سياسية، ورسخت المقاومة مفهوم الهوية وحررتها من أشكال الهيمنة والوصاية والتغييب التي كانت تحيط بها، هذا ناهيك عن الوظائف الاجتماعية والثقافية والنفسية التي أدتها المقاومة للشعب الفلسطيني.

سواء سميناها ثورة أو مقاومة أو انتفاضة أو هبة أو حق الدفاع عن النفس، فهي ثابت من ثوابتنا الوطنية الفلسطينية ما دام الاحتلال قائما، إنه حق يستمد شرعيته من القانون الطبيعي والشرعية الدولية وكل الشرائع الدينية، حق يستمر ما استمر السبب المنشئ له – الاحتلال. ومن غير المنطقي أن يُعلن أي مسؤول فلسطيني التخلي عن الحق بالمقاومة لأن هذا الحق ثابت من الثوابت الوطنية والثوابت لا يجوز التصرف بها إلا بقرار من الشعب وبإرادته الحرة كما أن هذا التخلي يُفقد القيادة السياسية الراهنة والأجيال القادمة ورقة قوة قد تحتاجها إن فشلت نهائيا المراهنة على التسوية السياسية كما هو الأمر الآن وخصوصا بعد التغير في السياسة الأمريكية في عهد ترامب. أيضا لا يجوز لأي مسؤول أن يُسقط الحق بالمقاومة وفي نفس الوقت يطالب المجتمع الدولي بتطبيق قرارات الشرعية الدولية لأن الحق بالمقاومة أو الدفاع عن النفس جزء من الشرعية الدولية والشرعية الدولية لا تتجزأ.
 
الشرعية الدولية ومن خلال عديد قرارات الجمعية العامة تمنح الفلسطينيين حق تقرير مصيرهم بأنفسهم والحق بمقاومة الاحتلال بكل الوسائل، كما أن ميثاق الأمم المتحدة منح الشعوب الحق بالدفاع عن النفس ،فلماذا نحرم أنفسنا بأنفسنا من ممارسة هذا الحق أو حتى التلويح بممارسته ولو في إطار مقاومة شعبية سلمية؟

إن ما يجري من خلط ما بين مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال من جانب، والإرهاب وما يجري في دول فوضى الربيع العربي من جانب آخر  يتطلب إعادة قراءة موقف القانون الدولي والشرعية الدولية من حق الشعب الفلسطيني في مقاومة آخر احتلال في العالم، ويتطلب تذكير الغرب بأنه أول من تحدث عن حق تقرير المصير للشعوب الخاضعة للاحتلال، وأول من مارسه على أرض الواقع، وإن كانت واشنطن ودول الغرب ودول عربية يحاربون الإرهاب باسم الشرعية الدولية والسلام العالمي فبالأحرى محاربتهم للإرهاب الإسرائيلي ودعمهم لحق الشعب الفلسطيني بالدفاع عن نفسه لأن الشرعية الدولية لا تتجزأ ولا يجوز الكيل بمكيالين عند تطبيقها.

كان الغرب أول من تنادى بتطبيق مبدأ حق تقرير المصير وحق الشعوب الخاضعة للاحتلال بمقاومة الاستعمار عندما قامت القوات النازية باحتلال فرنسا والعديد من دول أوروبا بداية الحرب العالمية الثانية، آنذاك نهضت دول العالم الحر وعلى رأسها الولايات المتحدة وناصرت الشعوب المحتلة من النازيين بالمال والسلاح، بل وضعت أراضيها لتكون قواعد لجيش تحرير فرنسا وغيره من حركات مقاومة النازية والفاشية، ولولا الدعم الذي وجدته شعوب أوروبا من الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي لكان مصير أوروبا ومصير العالم اليوم مختلفا.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أخذت الجمعية العامة على مسؤوليتها وضع حق مقاومة الاحتلال موضع التنفيذ، من خلال حث الدول المستعمِرة على منح الشعوب الخاضعة لها الاستقلال والحرية ومد يد العون لها. في قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة 1514 (د-15) المؤرخ في 14 ديسمبر 1960 والمعنون بـ: "إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة"، وجاءت مقدمة القرار لتؤكد إن الأمم المتحدة" وإذ تؤمن بأن لجميع الشعوب حقا ثابتا في الحرية التامة وفي ممارسة سيادتها وفي سلامة ترابها الوطني، تعلن رسميا ضرورة القيام، سريعا ودون أية شرط، بوضع حد للاستعمار بجميع صوره ومظاهره".

ولأن الاستعمار ينتهك الكرامة الإنسانية، ولأن حق تقرير المصير تدعمه الشرعية الدولية ويخدم السلام العالمي، فقد أعطت الجمعية العامة الحق للشعوب باللجوء إلى كل أشكال النضال بما فيها الكفاح المسلح من أجل نيل استقلالها وهذا ما جاء واضحا في البرنامج الصادر عن الجمعية بتاريخ 12/10/1970 والمعنون بـ : "برنامج العمل من أجل التنفيذ التام لإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة"، حيث اعتبر البرنامج أن الاستعمار بأي شكل من الأشكال يعتبر خرقا لميثاق الأمم المتحدة ولكل المواثيق الدولية، كما اعتبر: "إن للشعوب المستعمرة حقها الأصيل في الكفاح بجميع الوسائل الضرورية التي في متناولها ضد الدول الاستعمارية التي تقمع تطلعاتها إلى الحرية والاستقلال" وحث البرنامج الدول بتقديم "كل مساعدة معنوية ومادية تحتاج إليها في كفاحها لنيل الحرية والاستقلال".

إلا أنه كان لقرار الجمعية العامة الصادر عام 1977، أهمية خاصة حول الموضوع، فهو من جانب اتُخذ بأغلبية ساحقة في الأصوات كما أنه خطا خطوة مهمة بربطه مباشرة بين حق تقرير المصير وشرعية اللجوء للكفاح المسلح، كما أنه ندد بالدول التي تنكر على الشعوب حقها في النضال لنيل الاستقلال. ونظرا لأهمية القرار فإننا نورد هنا أهم فقراته:
"إن الجمعية العامة،
إذ تؤكد من جديد، ما للإعلان العالمي لحق الشعوب في تقرير المصير والسيادة والسلامة الإقليمية وللإسراع في منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة من أهمية بوصفهما شرطين حتميين للتمتع بحقوق الإنسان.
وإذ تستنكر الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان التي تُرتكب في حق الشعوب التي لا تزال واقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية، والتحكم الأجنبي ،ومواصلة الاحتلال غير الشرعي لناميبيا، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف فإنها:-
1- تدعو جميع الدول إلى التنفيذ الكامل والأمين لقرارات الأمم المتحدة بشأن ممارسة الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية لحق تقرير المصير.
2- تؤكد من جديد شرعية كفاح الشعوب في سبيل الاستقلال والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والتحرير من السيطرة الاستعمارية والأجنبية ومن التحكم الأجنبي بجميع ما أتيح لهذه الشعوب من وسائل بما في ذلك الكفاح المسلح.
3-  تؤكد من جديد ما لشعبي ناميبيا وزمبابوي وللشعب الفلسطيني وسائر الشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية والاستعمارية، من حقوق، غير قابلة للتصرف، في تقرير المصير والاستقلال الوطني والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والسيادة، دون أي تدخل خارجي.
4- تدين بقوة جميع الحكومات التي لا تعترف بحق تقرير المصير والاستقلال لجميع الشعوب التي ما زالت واقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية والتحكم الأجنبي ولا سيما شعوب إفريقيا والشعب الفلسطيني".

وهنا نذكر أن الأمم المتحدة اعترفت بمنظمة التحرير عضو مراقب عام 1974 فيما كانت المنظمة تمارس النضال المسلح بجانب العمل السياسي كما خاطب الراحل أبو عمار أعضاء الأمم المتحدة قائلا: "جئتكم أحمل غصن الزيتون في يد والبندقية في يد فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي". وتأكيدا على شرعية الحق بمقاومة الاحتلال وأنه حق لا يسقط بالتقادم، فقد تنادت الأمم المتحدة ودول العالم الحر إلى دعم الشعب الأفغاني في مقاومته للغزو السوفييتي في ديسمبر 1979 وتم دعم الأفغان بالمال والسلاح بل وبتحالفات عسكرية، وتكرر الأمر عندما غزا العراق الكويت في أغسطس 1990.
 
هاتان الواقعتان تؤكدان بأن الاحتلال أمر مرفوض ويتعارض مع القانون الدولي والشرعية الدولية، فلماذا عندما يتعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي تقف دول الغرب بل ودول عربية وإسلامية موقفا مغايرا، فلا تعمل على إجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ولا على إلزامها بمقتضيات عملية السلام وبالاتفاقات الموقعة بهذا الشأن، والأدهى من ذلك أنها تقف في مواجهة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه بمقاومة الاحتلال؟

وقريبا رأينا كيف أن المعارضة السورية والليبية اعتمدت على الشرعية الدولية لمقاومة ما تعتبره حكما استبداديا بالعمل العسكري، وإذا كانت واشنطن وحلف الأطلسي والدول العربية وقفوا إلى جانب هذه المعارضة ومدوها بالسلاح بل وحاربت إلى جانبها، فمن الأحق والأولى أن تقف هذه الأطراف إلى جانب الشعب الفلسطيني لمواجهة دولة إسرائيل التي تحتل الضفة وغزة التي تعترف الشرعية الدولية أنها أراضي محتلة.
 
إن العنف الذي يضطر الشعب الفلسطيني إلى ممارسته دفاعا عن أرضه ومقدساته يندرج في إطار الشرعية الدولية والحق في تقرير المصير وحق الدفاع عن النفس، فهو عنف يستهدف إلغاء حالة القهر والتسلط التي تمارسها إسرائيل، كما أنه عنف يصب في مصلحة السلام العالمي انطلاقا من كون الاستعمار يتناقض مع السلام العالمي، أو بمعنى آخر أنه عنف مشروع ردا على إرهاب الدولة الذي تمارسه دولة الاحتلال ومستوطنيها، من منطلق أن الاستعمار هو إرهاب بل أبشع أشكال الإرهاب، حيث يشمل بإرهابه كل الشعب، مهددا استقراره ومهينا كرامته وسالبا حريته.
 
قد يقول البعض إن الزمان تغير والظروف غير الظروف والشعب الفلسطيني في مرحلة بناء الدولة، كما أن الفلسطينيين جربوا المقاومة المسلحة بعد قيام السلطة الوطنية وخصوصا انطلاقا من قطاع غزة والنتيجة كانت خرابا ودمارا، وأن اللجوء إلى العمل المسلح الآن قد يبعد الأنظار عن ما يجري في الضفة والقدس ويجر الشعب الفلسطيني إلى مربع تتفوق فيه إسرائيل ..الخ. الرد على ذلك من خلال ما يلي:
1- إن قرارات الشرعية الدولية لا تسقط بالتقادم ولا تتجزأ، وإذا افترضنا أن القرارات أو التوصيات الصادرة عن الجمعية العامة بشأن الحق بالمقاومة قديمة والزمن تجاوزها فعلينا أن نتذكر أيضا أننا نطالب من نفس الجهة تنفيذ قرارات أقدم عهدا كقرار التقسيم 181 لعام 1947 وقرار عودة اللاجئين 184 لعام 1949، وقرار مجلس الأمن 242 لعام  1967 وقرار 338 لعام 1973، والقرارات حول حق تقرير المصير.

2- مع افتراض الاعتراف الكامل بفلسطين دولة تحت الاحتلال كما تسعى القيادة الفلسطينية، يبقى السؤال كيف سيتم زوال الاحتلال عن دولة فلسطين؟

3- أن تصبح فلسطين دولة تحت الاحتلال فهذا يضعها تحت حكم المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تمنح الدول حق الدفاع عن نفسها: "ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء -الأمم المتحدة- وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي". وهنا نلاحظ أن إسرائيل الدولة التي تحتل الأراضي الفلسطينية تمارس إرهابها وعدوانها تحت زعم ممارستها لحق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة..!

4- نعم أخطاء كثيرة صاحبت عمل المقاومة الفلسطينية، ولكن الخلل لم يكن في مبدأ المقاومة ولكن لأنه تم ممارستها بشكل ارتجالي وفصائلي وبدون استراتيجية وطنية وأحيانا لخدمة اجندة خارجية.

5- الحق بالمقاومة وبالدفاع عن النفس ليس بديلا عن العمل السياسي والدبلوماسي بل مصاحبا له وداعما.

6- المقاومة لا يعني فقط العمل العسكري من صواريخ وأنفاق وعمليات استشهادية، فيمكن ممارسة الحق بالمقاومة والدفاع عن النفس بطرق متعددة تجعل كلفة الاحتلال باهظة وتردع المستوطنين وتُشعر العالم أن خطرا يهدد الأمن والسلم الدوليين، المهم أن تكون المقاومة في إطار استراتيجية وطنية موحدة.

وبالنسبة للعمل المسلح ومع أننا لا نحبذه الآن وخصوصا في ظل الانقسام والفوضى التي تعم العالم العربي، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تدعم دول عربية وإسلامية وغربية حركات معارضة تمارس العنف المسلح في مواجهة الأنظمة السياسية، وتتردد في دعم مقاومة فلسطينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي؟ وأيهما أكثر خطورة على الأمن والسلم الدوليين: نظام دكتاتوري وغير ديمقراطي أم احتلال شعب بكامله؟

وأخيرا يجب الحذر من محاولات كي وعي الشعب الفلسطيني من خلال تشكيكه بحقه في المقاومة والدفاع عن النفس بذريعة اختلال موازين القوى أو اعتمادا على أخطاء في ممارسات سابقة للمقاومة، أو تحت رهاب قطع المساعدات عن السلطة الوطنية.

إن الشعب الفلسطيني الذي تعدداه داخل الأراضي المحتلة أكثر من ستة ملايين ويخضع لاحتلال استيطاني عنصري ويعترف له العالم بحقه في تقرير مصيره، هذا الشعب يملك ولا شك إمكانيات للدفاع عن نفسه في إطار الشرعية الدولية، والمُقعَد إبراهيم أبو ثريا ومئات الشهداء من شباب وشابات الدهس والطعن والاحتجاجات على الحواجز الإسرائيلية ومواجهة المستوطنين، وحملات المقاطعة، وعهد التميمي والآلاف مثلها ممن يتصدون للاحتلال بصدورهم العارية، كلها أشكال من المقاومة والدفاع عن النفس، المهم أن تكون في إطار استراتيجية وطنية شاملة والإستراتيجية الوطنية تحتاج لوحدة وطنية.

* أكاديمي فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - Ibrahemibrach1@GMAIL.COM