2018-01-01

اعتراف يعالون وأخلاقيات القتل الإسرائيلية


بقلم: سليمان ابو ارشيد

لم يطق الجنرال بوجي يعالون الـ"نيشان" الأخلاقي الذي كاد أن يلصق به أثر استقالته/ إقالته التي ارتبطت بقضية إطلاق النار على الجريح الفلسطيني، عبد الفتاح الشريف، من قبل الجندي القاتل إليئور أزاريا.

يعالون بصفته وزيرا للأمن وقائد أركان سابقا، رأى أن مصلحة إسرائيل وجيشها، تقتضي اتباع الإجراءات المعمول بها في مثل هذه الحالات، ونعني الحالات التي انفضحت فيها جرائم عناصر الجيش والمخابرات الإسرائيلية أمام أعين الكاميرات، وذلك للحفاظ على "الغلالة الأخلاقية"، التي حالت حتى الآن بين قادته وجنوده وبين المحكمة الدولية.

هكذا فعلت إسرائيل في تعاملها مع جرائم جنودها الفردية والجماعية بعد انكشافها، فأقامت المحاكم الصورية أو لجان التحقيق منزوعة الأسنان، وكلنا يسمع عن "قرش شدمي" من محاكمة مرتكبي مجزرة كفر قاسم، ويعرف قصة الإعفاء عن قتلة فدائيي باص 300 قبل تقديمهم للمحاكمة، وبعضنا شهد وزير الأمن الذي صار رئيس حكومة بعد أن منعته لجنة كاهان، معاودة إشغال هذا المنصب لتورطه في مجزرة صبرا وشاتيلا والقائمة تطول.

يعالون، هو ابن هذه المدرسة، أراد ببساطة الحفاظ على هذا التقليد، ولم يقصد بأي حال النيل من "بطولة" أزاريا، التي ستضاف إلى رصيده ويكرم عليها عمليا مثلما كرم غيره من داني ياتوم وحتى إليك رون وشارون، ولكن لاحقا، أي بعد انتهاء "الطقس الصوري" الذي يحافظ على المظهر الأخلاقي للجيش، لقد فعل ذلك دون أن يلتفت إلى أن المجتمع الاسرائيلي قد تجاوز هذا "المنطق القديم" وتلك "الأخلاقيات المضللة والمقيدة" االتي ورثتها له "حركة العمل"، وأن قتل العرب والفلسطينيين حتى لو كانوا جرحى أو أسرى أصبح محللا جهارا نهارا.

المهم، أن الجنرال يعالون المرصع بأوسمة ونياشين "القتل" الذي حاول نزع "نيشان الصفة الأخلاقية" عن نفسه بلطف، عندما اعترف سابقا أنه "قتل عربا أكثر من أي شخص في الحكومة والكنيست"، "بق البحصة" هذا الأسبوع عندما اعترف أنه من أطلق "الرصاصة الأخيرة" على أبو جهاد، وهو ما يسمى في عرف الجيش الإسرائيلي بـرصاصة "تأكيد القتل"، أي أنه قد قام بنفس الفعلة (الإجراء) التي قام بها الجندي أزاريا ضد الشريف، بفارق بسيط، أن يعالون لم يفعل ذلك أمام الكاميرات، ناهيك عن أن قتل الرجل كان الهدف الأساس للعملية العسكرية.

إذا، هو القتل وليس الأخلاق ما يعزز رصيد رجل السياسة الإسرائيلي ويزيد من فرصه الانتخابية لدى الجمهور، وهو ما يعرفه يعالون الذي أدرك بأن مناخ التطرف اليميني الديني الإستيطاني الذي يجتاح إسرائيل، لم يترك أي مجال للمساومات الأخلاقية السابقة التي قد تكون ميزت النصف الأول من عمر الدولة اليهودية والتي اعتمدت المعادلات الدقيقة من الحفاظ على الشكل "الحضاري الأخلاقي"، لأول وهلة، الذي يبقي إسرائيل في مصاف النموذج الغربي. وهو نموذج يعتمد ممارسة القتل والاحتلال والاستيطان وفق لوائح مضبوطة من القوانين والأنظمة، التي تحكم وتوحد سلوك الجماعة المسلحة وتخضعها لقواعد مشتركة تسعى لعدم استفزاز الرأي العام العالمي وقيم حقوق الإنسان الغربية التي تسعى إسرائيل إلى البقاء تحت مظلتها.

وكما هو معروف، فإن يعالون يسعى إلى الاندماج بأحد الأحزاب القائمة، وتربطه علاقات جيدة بزعيم حزب العمل الحالي آفي غباي، ولذلك يريد أن ينزع عنه "وسم" الأخلاق الذي ألصق به ويستعيد جلده العسكري الذي سبق وأوصله لمنصب وزير الأمن في حكومة نتنياهو.

في السياق، جاء تقرير "ماحاش" الذي برأ أفراد الشرطة الإسرائيلية من دم الشهيد يعقوب أبو القيعان، رغم تسجيلات الفيديو التي تم الكشف عنها مؤخرا، والتي أثبتت بما لا يدع مجالا للشك، أن الأخير لم يعتزم دهس أفراد الشرطة، وأن إطلاق النار عليه هو الذي تسبب باندفاع السيارة بعد فقدان السيطرة عليها، ما يعني أن الشرطة هي التي تسببت بموت الشرطي القتيل إما دهسا أو بإصابته بنيران صديقة.

الشرطة وبعد انفضاح كذب روايتها التي فشلت في إلصاق تهمة الداعشية بالشهيد أبو القيعان، والتي أرادت من خلالها التغطية على تورطها بقتله والتسبب بقتل أحد عناصرها، آثرت الخروج بنتيجة "تعادل" بما يعني التراجع عن "الرواية الداعشية" ضد الشهيد ابو القيعان، مقابل عدم توريط عناصرها في جريمتي القتل، ولذلك، فضلت إغلاق ملف التحقيق دون الإشارة إلى متهمين.

طبعا، اعتراف يعالون وإغلاق ملف فتل الشهيد أبو القيعان، لم يمنع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، من التبجح بأخلاقيات إسرائيل وديمقراطيتها. نتنياهو وقف هذا الأسبوع على ما تبقى من عين ماهل بعد أن صادرت دولته منذ عام 1948 وحتى اليوم أكثر من 95% من أراضيها، وحولت الجزء الباقي منها إلى جيب محاصر تلتف حوله أحراش الكيرن كييمت من جهة ومستوطنة نتسيرت عليت من الجهة الأخرى، وقف يخاطب المتظاهرين بلهجة تهديد تنضح بالفوقية والاستعلاء العنصري وبكلمات محشوة بالحقد وكراهية العرب، مستغلا ما يحدث في سورية للإيهام بأن العرب في الداخل يعيشون في جنة اسمها إسرائيل، وأنها هي التي تحميهم من السعير العربي الذي يحيق بهم من كل الجهات، ومن لا يعجبه بإمكانه الانتقال إلى أي جحيم يريد، وأقربها سورية.

* صحافي من الداخل الفلسطيني (1948). - aboirshed@hotmail.com