2017-12-31

عامٌ يودعُ عاماً ونكباتنا ومأسي شعبنا مستمرة..!


بقلم: راسم عبيدات

منذ بداية الغزوة الصهيونية لفلسطين وإحتلالها لأرضنا وإحلال المستوطنين مكانهم، وطرد وتهجير أكثر من نصف أبناء شعبنا الى المنافي ومخيمات اللجوء، وحتى اللحظة الراهن، نهاية عام 2017، ما زال العالم يصمت على أبشع جريمة في العصر الحديث، يصمت ويتواطأ مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل ويشارك معها، فيما يتعرض له شعبنا الفلسطيني من مأسي ونكبات على يد تلك الدولة، وما يرتكب بحقه من جرائم وممارسات قمعية وإذلالية وعقوبات جماعية ترتقي الى مستوى جرائم الحرب. فلا بريطانيا اعتذرت بعد مئة عام على وعدها المشؤوم، والذي اعطي من لا يملك لمن لا يستحق، ولا العالم منذ سبعين عاماً طبق أي من قرارات الشرعية الدولية التي صدرت عن المؤسسات الدولية من مجلس الأمن والجمعية العامة  ومنظمة التربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" ولا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، واستمر شعبنا يدفع الثمن على طول وعرض فلسطين التاريخية.

ففي القدس التي تتعرض لأشرس حملة تطهير عرقي  و"تسونامي" استيطاني يطال كل مساحتها، بغرض تهويدها وأسرلتها، حيث بعد قرار المتطرف الرئيس الأمريكي ترامب بإعتبار القدس عاصمة لدولة الاحتلال، وانتقال إدارته من الإنحياز التاريخي الى جانب دولة الاحتلال  الى مرحلة المشاركة الفعلية في العدوان على شعبنا، وهذا جعل الاحتلال يزيد من "تغوله" و"توحشه" على شعبنا الفلسطيني عامة، وسكان مدينة القدس العرب خاصة، وكذلك وجدنا الاحتلال يتحرر من عبء وضغط قوانين الشرعية الدولية عليه، لكي يعلن عن مخططات تهويدية ضخم بحق المدينة المتلة، بناء اكثر من 300 ألف وحدة إستيطانية، وتوسيع مساحة القدس ضمن مخطط القدس الكبرى، لكي تصبح 10% من مساحة الضفة الغربية، وبما يضم الكتل الإستيطانية الكبرى إليها الممتدة  من مجمع "غوش عتصيون" في جنوبها الغربي إلى مجمع "معاليه ادوميم" في شمالها الشرقي، وكذلك بدء تطبيق خطط الإنفصال عن القرى الفلسطينية المقدسية في شرق المدينة، بهدف قلب الموازين الديمغرافية فيها لصالح أغلبية يهودية كبيرة، ضخ 150 ألف مستوطن اليها وإخراج اكثر من 100 ألف مقدسي من حدود ما يسمى بلدية القدس، لجعلها عاصمة موحدة لما يسمى بدولة الاحتلال، وعزلها بالكامل عن محيطها الفلسطيني.

والوضع في الضفة الغربية، ليس بأفضل حال من مدينة القدس،حيث الاحتلال يريد أن يغرقها بمليون مستوطن خلال العشرين سنة القادمة، ويعتمد خطة تقوم على تفتيتها، ومنع تواصلها جغرافياً، وبما يلغي أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، وخطة التفتيت والفصل، تعتمد على فصل البلدة القديمة من الخليل عن المدينة نفسها، ومنح المستوطنين صلاحيات بلدية هناك، وكذلك عزل شمال الضفة عن وسطها، وأيضاً جنوب الضفة عن وسطها، وشمالها عن جنوبها، ولتصل الوقاحة برئيس وزراء الاحتلال نتنياهو للقول بان اخراج المستوطنين من الأراضي الفلسطينية المحتلة، شكل من أشكال التطهير العرقي، في حين ان طرد وترحيل شعب فلسطيني بأكمله، ليس شكلاً من أشكال التطهير العرقي..؟ إنها وقاحة ما بعدها وقاحة.

والحال في قطاع غزة ربما هو على نحو مما أسوء عليه في الضفة والقدس، حيث يتعرض شعبنا هناك  الى أبشع حصار ظالم، يهدد كل مقومات الوجود البشري والإنساني هناك، حيث تفتقر الحياة الى أدنى متطلبات الحياة الإنسانية، فلا خدمات صحية ولا طبية ولا بنى تحتية ولا خدمات صرف صحي ولا حتى كهرباء وماء، والتقارير الدولية، تشير الى ان الحياة البشرية في القطاع ستكون صعبة جداً، بل مستحيلة في السنوات القريبة القادمة، وبما ينذر بكارثة إنسانية تحت سمع وبصر من يسمون أنفسهم دعاة الحرية وحقوق الإنسان والعدالة والديمقراطية، حيث عندما يتعلق الأمر بشعبنا الفلسطيني، نلمس الإزدواجية والإنتقائية "والتعهير" لتلك القيم والقوانين ومبادئ الشرعية الدولية وقراراتها، وإستثناء دولة الإحتلال من المحاسبة والمعاقبة على ما ترتكبه من جرائم وقمع وتنكيل بحق شعبنا الفلسطيني.

ولا يغيب عن بالنا وضع أهلنا في الجذر الفلسطيني- 4-، حيث يتهددهم خطر ما يسمى بقانون القومية ويهودية الدولة، وكذلك مشاريع التهويد وهدم المنازل بحقهم متواصلة ومستمرة، حيث هدم احد عشر بيتاً في قلنسوة تحت حجج البناء غير المرخص، وقرية ام الحيران البدوية، ناهيك عن قرية العراقيب التي هدمت للمرة المائة والواحد والعشرين بعد المائة، وكذلك اكثر من 40 قرية فلسطينية موجودة قبل قيام دولة الاحتلال، يعتبرها الاحتلال غير معترف بها، مهددة بالهدم وتشريد سكانها، ناهيك عن مشاريع التهويد للجليل والنقب، مشروع "برافر" لتهويد النقب، وما يطرح من مشاريع لطرد شعبنا واهلنا في المثلث وواد عارة،عبر ما يسمى بالتبادل السكاني والجغرافي.

ويضاف الى كل ذلك الى ان مأزقنا الداخلي يتعمق، ونظامنا السياسي يزداد تازماً، فرغم الأجواء الإيجابية التي سادت بعد تدخل المصريين لتحقيق المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية من خلال الرعاية والمشاركة الفعلية، إلا ان تلك الأجواء اخذة بالتبدد، وكأن ما تتعرض له قضيتنا من ذبح، والتي كان آخرها اعلان الرئيس الأمريكي المتطرف ترامب بإعتبار القدس عاصمة لدولة الاحتلال ليس بكاف لكي يحدث صدمة وصحوة عند صناع القرار الفلسطيني، بأن مجابهة المشاريع التصفوية والمخاطر المحدقة بقضيتنا ومشروعنا الوطني،بحاجة الى  اتخاذ خطوات جدية وعملية من أجل إنهاء الإنقسام وإستعادة الوحدة الوطنية، ورسم رؤية واستراتيجية فلسطينيتين موحدتين تقومان على الصمود والمقاومة.

رغم كل هذا اللوحة السوداوية، ولكن هناك العديد من الإضاءات والإيجابيات، وحتى الإنتصارات التي نستطيع أن نبني عليها، إذا ما توفرت إرادة سياسية  وقيادة تعبر عن نبض الشارع وهمومه وتطلعاته، بحيث تجعل من شعبها شريكاً في القرار، وليس مستخدماً لأغراض تكتيكية لمعاودة السير في الماراثون التفاوضي العبثي.

القدس التي إنتصرت بوحدتها بكل مكوناتها السياسية الوطنية والدينية والمجتمعية والشعبية وبسجاجيد صلواتها المقاومة، على أعتى ألة حرب عسكرية في المنطقة في معركة البوابات الألكترونية على أبواب المسجد الأقصى في تموز الماضي، وأجبرتها على التراجع عن قرارها، بنزع تلك البوابات، وأفشلت المخطط المرسوم للتقسيم المكاني للمسجد الأقصى، وصولاً لهدمه وإقامة ما يسمى بالهيكل المزعوم مكانه، وكذلك في معركة التصدي لقرار الرئيس الأمريكي المتطرف ترامب بإعتبار القدس عاصمة لدولة الاحتلال، إنتصرت الشرعية الدولية لفلسطين، ونجحت القدس في عزل أمريكا دولياً، ولم تفلح تهديداتها وبلطجتها بتهديد الدول ذات الإرادة والقرار المستقل، بقطع المساعدات المالية عنها، في ثنيها عن التصويت لصالح القرار الفلسطيني، ببطلان وعدم شرعية قرار ترامب، بل قالت له بشكل قاطع العالم ليس للبيع، وأمريكا ليست رب العالم بلغة المندوب الثوري والأممي الفنزويلي.

وانا اعتقد جازماً، بان هذا القرار الأمريكي الظالم والمجحف واللا شرعي، رب ضارة نافعة، فهو أشعل حراكاً شعبياً فلسطينياً وعربياً وإسلامياً ودولياً متواصلاً، يعزز ويزيد من حالة العداء الفلسطيني والعربي والإسلامي لأمريكا، وكان بمثابة الصدمة لمحور ما يسمى بعرب الإعتدال "الإعتلال" الذين كانوا يراهنون على أمريكا في طرح مشروع لحل القضية الفلسطينية، يمكنهم من شرعنة وتطبيع علاقاتهم مع الإحتلال بشكل علني، ولكن هذا القرار جاء بمثابة الصفعة لهم وأربك حساباتهم ومواقفهم.

صحيح الصورة ليست بالوردية في العام المنصرم لشعبنا ولقضيتنا، ولكن ما حصل من انتصارات على مستوى المعارك والهبات الشعبية، وما تحقق من نصر في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بإعتبار القرار الأمريكي بالإعتراف بقدسنا المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال باطل ولاغي وغير شرعي، هو نصر سياسي ودبلوماسي بإمتياز، له رمزيته، ولكن في تكامل الإنتصارات الشعبية، والتي يشكل استمرارها وتواصلها المتصاعد، العامل الحاسم في ردع أمريكا ودولة الاحتلال، وهذا يجب أن يتكامل مع النضال على المستويات الدبلوماسية والسياسية والقانونية على الصعيد الدولي، ومؤسسات الشرعية الدولية، وبالضرورة أن يستند ذلك الى قيادة فلسطينية، مالكة لإرادتها وقادرة على توحيد الساحة الفلسطينية، وتحصين الجبهة الداخلية، وإعتماد طرائق وأشكال كفاحية ونضالية جديدة متوافق عليها فلسطينياً، بحيث يكون هناك قرار جماعي فلسطيني في الحرب والمفاوضات، والكفاح الشعبي والجماهيري، وبما يمكننا من دخول عام جديد، يقربنا من تحقيق امانينا في الحرية والإستقلال وإقامة دولتنا المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس، وضمان حق العودة للاجئي شعبنا وفق القرار الأممي (194).

* كاتب ومحلل فلسطيني يقيم في مدينة القدس. - Quds.45@gmail.com