2017-12-07

على القيادة الفلسطينية تحمل تبعات ضياع القدس..!


بقلم: راتب عمرو

ما من شك أن قرار الرئيس الأميركي دوناد ترامب بالإعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، ونقل سفارتها اليها، يمثل خرقا لقرارات الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة، ويُعتبر بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على إتفاق أوسلو وعلى عملية السلام في الشرق الأوسط برمتها، وإخراج ملف القدس من بين ملفات وقضايا الحل النهائي، كما أُخرجت باقي القضايا الأخرى مثل اللاجئين والمستوطنات والحدود، وباتت عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مهب الريح، كما أُخرجت محاولات العديد من الدول العربية والإسلامية التي تحاول التطبيع مع إسرائيل تحت غطاء ما يسمى "صفقة القرن"، رغم أنها  ترى في القدس وتحديداً القدس الشرقية مدينه فلسطينية محتله منذ عام 1967، خاصة وأن هذه "الصفقة" لم تعد كذلك بقدر ما هي "صفعة" على وجوه كل من راهنوا عليها.

وعلى الرغم من أن هذا القرارالظالم لم يكن مفاجئا لا للفلسطينيين ولا للدول العربية ولا للعالم أجمع، لكن المفاجئ ردود فعل القيادة الفلسطينية، حيث بدا الرئيس الفلسطيني وهو يتحدث الى الشعب الفلسطيني  في أعقاب القرار الأميركي، وكأنه يلقي محاضرة في إحدى الجامعات الأجنبية ممن لا يعرفون عن القضية الفلسطينيه أكثر ما يعرفون عن جزر القمر..! وهنا فإنني لا أتوقع من الرئيس الفلسطيني أن يحرك جيوشه وأن يعلن الحرب على إسرائيل، ولكنني أتوقع منه قرارات جريئه تُحرج الولايات المتحدة الأميركية وتحرج إسرائيل، وتضع العالم بأسره أمام مسؤولياته تجاه القدس وتجاه القضية الفلسطينية وتجاه الشعب الفلسطيني، الذي يعيش مرحلة من الضياع السياسي والوجودي والإجتماعي.

والغريب في الأمر أن القيادات الفلسطينية في كافة مواقعها السياسية والتنظيمية، وبدلاً من أن تعترف أمام شعبها وتتحمل مسؤولية الفشل السياسي الذي طغى على المشهد الفلسطيني منذ عقود، فإنها تطالب الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالإضراب الشامل، والنزول الى الشوارع ونقاط التماس مع الجيش والشرطة الأسرائيلية، وتدفع به بإتجاه معركة هي ليست معركته بل هي معركة القيادات السياسية والتنظيمية جميعها.

صحيح أن القدس تستحق منا جميعاً أن نبذل في سبيلها الغالي والنفيس، لكن غير صحيح أن يتحمل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج أخطاء القيادات الفلسطينية المتعاقبة ومنذ أن كانت القضية الفلسطينية ولا تزال. وغير صحيح أن نُحمل الشعوب العربية والقيادات العربية مسؤولية الفشل الفلسطيني، بعد أن أوصلت القيادات الفلسطينية القضية الى مرحلة التفرد في القرارات، والإقتتال الداخلي وإشغال الشعب الفلسطيني والعرب جميعاً على مدار عقود من الزمن في المصالحة الداخلية.

فأين كان الشعب الفلسطيني عندما وقعت القيادات الفلسطينية إتفاق أوسلو الذي أجل البحث في القضايا الهامة مثل القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود، وركز على قيام السلطة ومؤسساتها المدنية والأمنية والتي أصبحت فيما بعد جزءًا من هذا الإتفاق اللعين وتبعاتة العقيمة؟ في الوقت الذي إنهمك المحتل الإسرائيلي بتهويد القدس والخليل وتهويد المناطق الفلسطينية برمتها من شمالها الى جنوبها ومن شرقها الى غربها، وأمتلأت المناطق الفلسطينية بالمستوطنات وأبراج المراقبه العسكرية، وفرض الإحتلال الأسرائيلي أمراً واقعاً على القدس والمناطق الفلسطينية تحت مرأى ومسمع عشاق أوسلو ودعاة السلام المجزوء والمنقوص، والذي دفعت ثمنه القدس بعروبتها وفلسطينيتها، وأبناء فلسطين الذين ينتظرون على أبواب أوسلو حق العودة المستحيل، أو حق التعويض بحفنة من الدولارات والتي تصيب الكرامة والكبرياء الفلسطيني في مقتل.

أما وقد خرجت القدس خروجا فاضحاً ومدوياً من ملفات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، كما خرجت قضية اللاجئين وغيرها، فإننا نقول أن القيادة الفلسطينية وقد جاء الوقت ودقت أجراس الخطر، عليها أن تتحمل تبعات ضياع القدس، لأن ضياعها يعني ضياع القضية ومعها الكرامة الفلسطينية، ولا أظن أن فلسطينياً واحداً يقبل بأي كيان فلسطيني دون أن تكون القدس بفلسطينيتها وعروبتها ومقدساتها الأسلامية والمسيحية القلب النابض لهذا الكيان صغر أم كبر.. ولا أظن أن فلسطينياً واحداً وأخص بالذكر في المناطق الفلسطينية المحتلة،  يقبل بأن يكون طليقا وهو مهدور الكرامة ومقيد اليدين ويعيش في مدن وقرى هي أشبه ما تكون بالمعتقلات المفتوحة، في الوقت الذي تقبع القدس بأبطالها وبتاريخها وقدسيتها تحت الأحتلال، لا بل أبعد من ذلك بكثير عاصمة للدولة العبرية بقرار أميركي هو أشبه ما يكون "بوعد أميركي" على غرار "وعد بلفور" اللعين قبل قرن من الآن، وترفرف عليها أعلام الأمبرطورية الأميركية وأعلام الأمبرطورية الأسرائيلية القادمة في حال أصبحت القدس هي عاصمة لها، وفي حال هرولت الدول العربية نحو تطبيع مجاني لا يبقي للقضية الفلسطينية وعروبة القدس غير السقوط والأنحدار.

فالأولى هنا أن تعلن القيادات الفلسطينية عن تحمل مسؤوليات ما حدث، وتعلن عن المناطق الفلسطينية مناطق تحت الأحتلال، وتلقي بمسؤولية الشعب الفلسطيني العظيم في وجه الولايات المتحدة الأميركية وفي وجه الإحتلال الإسرائيلي، بحيث يكون أبناء فلسطين وتضامناً مع القدس وحفاظاً على ما تبقى من كرامتهم المهدورة، أن يكونوا تحت الأحتلال ليعيشوا مع القدس معاناتها وسقوطها المدوي لحظة بلحظه، ويبقوا على الدوام شوكة في حلق هذا الإحتلال البغيض، لأن حلم الدولة لم ولن يتحقق، اللهم إلا إذا قبلت القيادة الفلسطينية بمسمى الدولة وعاصمتها "أبو ديس" وما حولها من القرى الفلسطينية في شرقي القدس، وهنا تكون ما تسمى "صفعة القرن" هي صفعة على وجوه ابناء فلسطين، ولعنة تطاردهم في كل زمان ومكان أينما حلوا وحيثما إرتحلوا، وهذا ما لا نريده ولا نرضاه لهذا الشعب العظيم الذي قدم لفلسطين وللقدس أغلى ما يملك، وقدم للقيادات الفلسطينية المتعددة أرواح الأبناء وفلذات الأكباد، تحت شعار تحرير فلسطين وحلم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، فإذا بهم أمام واقع مأساوي فلا تحرير ولا دوله ولا القدس..!

* مدير مركز الأفق للدراسات الأستراتيجية، عمان - الأردن. - ratebamro@gmail.com