2017-12-05

اليمن: تاريخ استثنائي/واقع استثنائي


بقلم: ناجح شاهين

هناك دائماً أسباب لما يحصل. لكننا لسنا في صدد تفسير الظاهرة اليمنية، وإنما نهدف إلى وصفها فحسب.

اليمن هو البلد العربي الوحيد الذي لم يخضع للاحتلال على امتداد تاريخه. هناك بالطبع شيء ما عن مرور فارسي أو حبشي ..الخ وهناك حضور حامية بريطانية في عدن. ولكن جوهرياً لم يخضع اليمن خصوصاً في جباله الشمالية الوعرة/المرتفعة للاحتلال ابداً. وقد نجا بشكل رائع من الحكم التركي/العثماني الذي جثم على صدر العرب أربعة قرون بالتمام والكمال.

وقد كان لذلك فوائدة الواضحة التي تتجلى على سبيل المثال في قيمة المرأة العالية في المجتمع اليمني البسيط بما في ذلك غياب أفكار سخيفة تحط من قيمة المرأة المطلقة. قيم "الحرملك" التركية التي تسود بلاد الشام ومصر والعراق لا نجدها في اليمن.

من ناحية أخرى يبدو جلياً أن اليمني لم يدجن أبداً ليقبل أي شكل من أشكال السلطة المطلقة او الخضوع للمستعمرين. وكان لا بد من سلطة دينية أسطورية لكي تهيمن عليه، وهو ما يفسر حكم الأئمة الذي سبق الجمهورية. في المقابل لا يستطيع اليمني تخيل الاحتلال الأجنبي. ومن هذه الناحية أحسست بالدهشة لأن ذكريات اليمنيين عن الحضور المصري لدعم "الثورة" تبدو معادية تماماً. وقد سمعت منهم مئات القصص عن "جبن" المصريين الذين كانوا "يعتدون" على اليمن. يعسر علينا أن نتخيل قبول اليمني بالأجانب، ولعل علي عبد الله صالح قد أخطأ من هذه الناحية كثيراً. نسيج اليمن نسيج لا يقبل "الغرباء".

ربما ساهم ذلك في إقناعي أول امس أن اليمن سيدخل حرباً أهلية بعد أن تمكنت السعودية من "شراء" ولاء على عبد الله صالح. تخيلت أن "أنصار الله" سيفقدون معظم حضورهم وسيتحولون إلى مكون صغير من مكونات الفوضى اليمنية.

لكن "أنصار الله" يثبتون أنني مخطئ في تقديري لهم: إنهم يتغلغلون فعلاً في نسيج المجتمع ويحظون بحبه واحترامه، ولا يعاملون أبداً من قبل الشعب على أنهم "عملاء" لإيران. ولو كان الوضع خلاف ذلك لسقطوا سقوطاً مريعاً.

لقد حاول الإرهاب السعودي المنظم للمدنيين أن يدفع الجماهير عبر معاناتها ومرضها وجوعها وموتها إلى "الكفر" بمقاومة أنصار الله، ولكن ذلك الإرهاب فشل فشلاً ذريعاً. ثم حاول تحالف السعودية/العربي/الأمريكي/الإسرائيلي اختراق اليمن عن طريق شراء الذمم، ولكن يبدو أنه يفشل مرة ثانية.

إن من يستمع إلى عبد الملك الحوثي وهو يتحدث يصاب بالدهشة الكاملة إن كان يعرف اليمن وأهله: أن ينجب اليمن قائداً يتحدث بلباقة وذكاء ومستوى لغوي مرتفع هو أمر مثير بكل معنى الكلمة. قارنوا الرجل بـ "الزعماء" في الخليج، بل زعماء العرب، ربما لا يضاهيه أو بالأحرى يتفوق عليه أحد باستثناء حسن نصر الله.

إنها ظاهرة أنصار الله التي تستحق القراءة المتعمقة. وهي ظاهرة تبشر على الأرجح بولادة يمن جديد لا ينقص قيادته الشجاعة ولا الذكاء ولا الحكمة التي ستدخل به عصراً جديداً من البناء والتحديث دون التخلي عن قيم الأصالة والشجاعة اليمنية التي لا نظير لها.

* الكاتب أكاديمي فلسطيني. - najehshahin@yahoo.com