2017-12-04

حل "النصف دولة"..!


بقلم: د. هاني العقاد

يبدو ان الامريكان يجهزوا للإعلان عن خطة سلام غير خطة "حل الدولتين" او اقل من سقف حل الدولتين بكثير كجزء من خطة اقليمية كبيرة وشاملة، وهي خطة لن تحقق السلام بالمطلق لكونها مبنية على اساس الحد الأدنى لضمان تعايش الفلسطينيين مع الاحتلال، وليس حل الصراع على اساس دولتين منفصلتين ومستقلتين..!

رجال ترامب اوصلوا للرئيس الأميركي خطة "النصف دولة" او "النصف حل"، خطة السلام الاقتصادي واعادة صياغة المنطقة جيو سياسيا لتبقي هذه المنطقة بأسرها في خدمة الإسرائيليين والامريكان ليس اكثر، وتحقق سلاما وهميا في المنطقة على اعتقاد ان الفلسطينيين يمكن ان يقبلوا بأي حل دون ان يدركوا ان الفلسطينيين ليس لديهم تنازلات اكثر من حدود العام 1967 مهما كانت ايدلوجيتهم السياسية او عقيدتهم الدينية، لان أي خطة تبنى على منهج الحلول المرحلية والمنقوصة لمجمل قضايا الصراع لن يحالفها النجاح، من هنا فان خطة ترامب للسلام لا تساوي ثمن الحبر الذي  كتبت به لأنها لا تتعدي سوى اتفاقيات تخدم الحليف الاستراتيجي وهو الاحتلال الاسرائيلي.

ترامب قد يعلن في القريب، أي قبل انتهاء العام الاول من فترة ادارته للبيت الابيض، عن خطته وتعتقد ادارته ومهندسو الخطة انها الخطة الأمثل التي لم تتشابه مع أي خطط قدمت لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي. ولعل خطتهم لا تعدو اكثر من خطة حكم ذاتي موسع الصلاحيات وحل اقتصادي مع ترحيل للقضايا الكبرى. اما الدور العربي في الصراع ليس اكثر من توفير الغطاء ودور مسهل ليقبل الفلسطينيون الولوج في مفاوضات ثنائية مجدولة ومرتبطة بكل ما جاء في الخطة الامريكية..!

لا اعتقد ان احدا من الفلسطينيين يمكن ان يقبل بالخطة حسب التسريبات والتي في الغالب تتطابق مع ما يدور الآن من تصريحات امريكية تتعلق بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الامريكية للقدس. ولعل عدم قبول الفلسطينيين بالخطة الامريكية اليوم يعني ان العرب الذين أوكل لهم دور الميسرين لهذه الخطة سوف يصبوا جام غضبهم على الفلسطينيين باعتبار ان هذا افضل طرح في الوقت الحالي لإعادة الاستقرار للمنطقة والحفاظ على الحقوق الفلسطينية من التلاشي..!

وبالتالي فان الفلسطينيين اليوم في موقف لا يحسدوا عليه. العرب هم كلمة المرور للخطة فان اقنع الفلسطينيون العرب بضرورة تحسين الخطة وبناء كل بنود الخطة على أساس مبادرة السلام العربية غير المحسنة فان الخطة قد تصبح مقبولة نوعا  ما. وان بقي العرب في المربع السلبي فان السلام لن يتحقق وستفشل كل المخططات المبنية على ذلك، لكن المخيف اليوم ان واشنطن اصبحت اللاعب القوي في الاقليم، وخاصة انها تعرف ان العرب بحاجة لكل الدعم العسكري والاستخباراتي الامريكي وليس العكس.

الحالة التي تعيشها القضية الفلسطينية اليوم حالة ما قبل النهاية، وفرض اسرائيل حلول على الارض مستغلة حالة التوتر في الخليج العربي، وحالة الصمت العربي، وحالة انتظار العرب خطة ترامب لتسارع في وتيرة سرقة الاراضي وتكثيف الاستيطان وعزل غور الاردن وكل وادي عربة عن المحيط الفلسطيني وتنفيذ مخطط تكبير القدس وفرض السيطرة على المسجد الأقصى وبالتالي تدمير حل الدولتين ليتبقى بعد ذلك الحل الذي تريده اسرائيل وتحاول واشنطن ان تسوقه عبر خطة امريكية تسميها الادارة الامريكية "الخطة النهائية" او البديل عن حل الدولتين، وهو "حل نصف الدولة"، حل التعايش في ظل التغيرات الكبيرة على الارض والتي لا تستطيع الادارة الامريكية وقفها او الضغط على اسرائيل لوقفها.

انها فرصة مهمة جدا للفلسطينيين ان يقلبوا الطاولة في وجه كل مروجي الحلول المنقوصة والتي تلتف على مبدأ حل الدولتين وتنكر حق الفلسطينيين في دولة مستقلة قابلة للحياة جنبا الى جنب مع دولة الكيان حسب القرارات والشرائع الدولية وقرارات الامم المتحدة 181 و338 و242 و194، فأما ان تقدم امريكا خطة تقوم على أساس تنفيذ تلك القرارات دون مواربة وإلزام اسرائيل بقبول العيش في المنطقة بحقوق متساوية او ان يقضي ترامب ما تبقي في ولاية يحاول تجريب الحلول، تاركا الباب على غاربه لتغير اسرائيل الجغرافيا وتفرض الوقائع على الارض، وتستمر هي في اثارة التوتر المبني على الأساس الطائفي والمذهبي، لتصب كل الاموال العربية في خزينتها سعيا لامتلاك السلاح الذي يعتقد العرب انه سلاح متقدم.

وبات شبه المؤكد اليوم ان الولايات المتحدة سوف تطرح مبادرة للسلام العام الجديد على اساس الحلول التي تقبلها اسرائيل وهي الحل اللانهائي واللاحدود واللادولة كاملة السيادة واللا عاصمة واللا عودة لللاجئين مع تسهيلات اقتصادية كبيرة وتوظيف استثمارات ضخمة لمشاريع تطبيعية على البحرين المتوسط والاحمر ومنطقة غور الاردن والبحر الميت ومثلث الالتقاء الاقليمي مع دولة اسرائيل.

لا اعتقد ان الصراع سينتهي ولا اعتقد ان الأمن والاستقرار سيتحقق في المنطقة،  ولا اعتقد انه يوجد فلسطيني عاقل او حتى مجنون يمكن ان يقبل اعادة صياغة المنطقة وتركيبها حسب المزاج والمصلحة الامريكية وتوظيف مليارات الدولارات لخلق واقع تكون فيه اسرائيل كيانا مقبولا ينغمس في كل شبر من الارض العربية، وليس الفلسطينية فقط، حسب النظرية  الامريكية التي تبنى بالأساس على رسم خارطة جيوسياسية جديدة لللإقليم لتحقق واشنطن ما اطلق عليه من قبل "صفقة القرن".

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com