2017-12-04

اليمن بعد صالح..!


بقلم: عمر حلمي الغول

أسدل الستار الأثنين على حياة رجل ملأ الدنيا وشغلها في اليمن والخليج وعموم الوطن العربي والعالم، على عبد الله صالح إغتالته جماعة الحوثي وهو مغادر صنعاء إلى سنحان بلدته ومسقط رأسه، التي ولد فيها في 21 مارس 1942، بعدما قامت القوات الحوثية بتفجير بيته. غادر صالح المشهد السياسي والآدمي عن 75 عاما، قضى أكثر من نصفها في الحكم حيث تولى الرئاسة في تموز 1978، ووحد اليمن تحت قيادته عام 1990، وقبل الإستقالة عن سدة الحكم عام 2012 مع قبوله المبادرة الخليجية، التي جاءت في اعقاب إحتجاجات  ضد حكمة إستمرت طيلة عام كامل. ولم يكن للرئيس السابق قبول المبادرة الخليجية لولا أنه كان يعالج في المملكة السعودية بعد تفجير مسجد دار الرئاسة في يونيو 2011. لكن بعد عودته من رحلة العلاج عاد ونكث الإتفاق، وأدار الظهر للمبادرة الخليجية، وتحالف مع الحوثوثيين، ضاربا عرض الحائط لدول الخليج وخاصة السعودية، مع انه واصل إرسال الوساطات لها دون كلل او ملل لتقبل بعودته لسدة الحكم، ويبدو انه حصل ذلك مؤخرا، حيث  أعلن صالح قبل ايام اربعة من رحيله عن الساحة إلى مثواه الأخير التمرد على حلف الأمس مع الحوثيين، وأعلن الحرب عليهم، وسيطر من خلال قواته على اهم الوزارات والمؤسسات في العاصمة صنعاء.

اليمن اليوم بعد رحيل صالح، ليس هو اليمن أثناء وجوده. رغم ان اليمن يعيش دوامة الصراع الدامي بين قوات التحالف العربي بقيادة السعودية والحوثويين منذ ثلاثة اعوام خلت، إلآ ان المشهد سيختلف نسبيا لجهة أولا ذهاب اليمن إلى حرب شوارع في صنعاء والمدن التي يسيطر عليها الحوثيين؛ ثانيا تغير شبكة التحالفات الداخلية واليمنية العربية والإقليمية؛ ثالثا قد يساعد رحيل صالح الإمارات على الدفع بتقسيم اليمن، وترسيخ إستقلال الجنوب عن الشمال. لاسيما وان هناك قوى على الأرض تقاتل دفاعا عن هذا الخيار، وقد تم منع الرئيس هادي قبل ايام من إقامة إستعراض عسكري في عدن؛ رابعا ستفقد إيران الشمال اليمني، لإن الحوثيين سيواجهوا تحديات مختلفة من أنصار علي عبد الله صالح، وحتى في حال صمدوا لبعض الوقت، فإن مكانتهم إهتزت في الساحة اليمينية بعد إعلان الرئيس الراحل الإنتفاضة في وجههم؛ خامسا ستبقى الساحة اليمينية تعاني من عدم الإستقرار، وستبقى تلفظ لهب براكينها المتفجرة في الداخل اليميني وعلى دول الجوار المحيطة.

سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء أمس بعد مقتل صالح، لا تعني أن الساحة باتت تحت سيطرتهم، العكس صحيح، فما جرى كما اشير آنفا سيفتح ابواب السعير في وجوههم، لإن ابناء واشقاء صالح وقبيلته ومواليه لن يسلموا الراية للحوثيين، وبالتالي ستشهد المدن اليمينية تطورات عاصفة إلى ان يحسم احد الطرفين المعركة لصالحه. والأهم ان معادلة الصراع في اليمن امست مختلفة نسبيا عما كانت عليه قبل اسبوع من تاريخه. وحتى السيناريو الذي رسمته بعض القوى الإقليمية والدولية لترتيب أوضاع اليمن قد يتأخر زمنا لحين تصفية الحسابات الداخلية، فضلا عما يمكن ان تساهم به تلك القوى من تأجيج حدة التوترات على الأرض عبر دعم ومساندة حلفائها بالأسلحة والعتاد والمال، مما سيترك بصمات قوية على مستقبل الحل الإقليمي الذي أخذ طريقه لليمن بعد العراق وسوريا.

رغم ما تقدم، فإن اللوحة في اليمن لم تعد واضحة، وهناك تشابك وضبابية في القراءة الموضوعية للتطورات الجارية. واليمن مازال أسيرا للتجاذبات والإستقطابات العربية والإقليمية، التي ستلعب دورا غير إيجابي في مستقبل الشعب اليميني وسيادته على وطنه. وقادم الأيام قد يجلي بعض الغموض الناشىء عن مقتل علي عبدالله صالح وآفاق التطور اللاحق لليمن غير السعيد راهنا.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com