2017-12-03

أنا مسلم وأنت مسيحي وذاك والسيف بيننا؟!


بقلم: بكر أبوبكر

إن الحوار بين الأديان كافة يعني الوصول الى نقاط التقاء انسانية بإرادة التعارف السماوية، وبما ان كل الأديان وعلى رأسها الأديان السماوية تبتغي بناء العقيدة للمؤمن باتجاهات معينة تميّز الدين "عقديا"عن غيره ليصح القول أن هذا دينه مسيحي وهذا بوذي وأنا مسلم وذاك ملحد وهكذا، فإنه يسندها تثبيت القيم والسلوكيات ويكون مستوى الفعل والقول الواضح الأثر للمؤمن يبرز بالسلوك تجاه خالقه أو معبوده وهذه علاقة تعبدية ثنائية لا جماعية، وتجاه نفسه وهذه علاقة توافقية ذاتية، وتجاه الناس وهذه علاقة جماعية تطال الناس جميعا فيشاركون فيها. فما لي أنا والعلاقة الذاتية أو الثنائية وليس لي منك الا العلاقة الجماعية؟

إن المعتقد في الأديان السماوية الموحدة الثلاثة بكافة طوائفها ينطلق من فكرة الوحدانية للرب، وهي فكرة أصيلة جامعة لنا، وفي الوقت الذي لا تتفق الأديان الأخرى ربما في سياق التوحيد فإنها تتلاقي في المسلكية والقيم والاخلاق وحُسن التعامل وضرورته.

دعني أقر بايماني كمسلم قبل أن يكفرني الآخرون من المتعصبين والمتطرفين فيحلون دمي، وسأدع صديقي الدكتور حنا عيسى يلتزم بمعتقده المسيحي قبل أن يرى النبذ أو النكران فليس هذا هو الشأن، فلكل معتقده وهو لا يشكل من مجريات الحياة اليومية في التعامل بين الناس الا جزء يسير فيما الحق أن حياة الناس بمعدل 90% او أكثر ترتبط بالقيم والاخلاق والسلوكيات والمعاملات والمبادلات والاتصالات وهنا مربط الفرس.

يقول د. حسن حنفي أن "الدين ليس مجرد عبادات أو أخرويات، بل هو تصورات للعالم، اجتماعية واقتصادية، فهي رؤية اجتماعية تقوم على العدل والمساواة وعدم استغلال الغني للفقير أوالسماح بالتفاوت الطبقي الشديد".

فان كنا نتشارك ونتواصل جلّ وقتنا بالحياة عامة، ولكم في الشابكة "انترنت" أنموذجا بهذا الحجم، فلِمَ نجعل من مساحة الاعتقاد الخاص بكل ديانة قِفلا يمنع التقارب الانساني؟ بينما جوهر الأديان في التعامل مع الذات صفاء ونقاء وابتعاد عن الذنوب ومعظمها مع الآخر..! ومع الرب التزام بعبادته والخضوع له، ومع الآخرمحبة واحترام وتفهم للاختلاف، وما بين تمسك بالمعتقد وتجاور الآخر وما بين الدعوة لمعتقدي دون الإضرار بعقيدة الآخر؟

يتجلى وضوح انعكاس الايمان للمؤمن في قوله وفعله وليس في حجم عبادته على أهميتها فحجم عبادته مهما قلت أو كثرت تبتغي الأجر والجنة لدى الاديان السماوية الثلاثة، وهي ببغيتها هذه تتمظهر بتنفيذ متطلبات الخضوع للواحد عبر تشبيك العلاقة معه من خلال العبادات أو هكذا يظن كثير من المؤمنين -إن حصروها هنا فقط أي بالمظاهر- لكنه في الحقيقة على أهمية المظاهر التعبدية مما قلناه وضرورتها واحترامها للجميع، فإنها عند الله سبحانه وتعالى ليست المقياس الوحيد للايمان والتقوى والقلب السليم بقدر ما ترتبط وتتزامن وتنسّق مع ما تفرضه هذه العبادة أو الطاعة من حُسن خلق وتعامل يظهر جليا بطريقة التعامل مع الآخرين، مع الآخر أنا ومع الأخر محيطي من ذات الديانة ومع الآخر من الأديان الآخرى بمعنى مع كل انسان قاطبة.

إن فكرة اقصاء الآخر بالأديان فكرة ارتبطت بالخلط بين نقاء "المعتقد" وضرورة الايمان به وبين الجامع الانساني، فان كان المعتقد بشكله أيّ كان يعدّ خلافا حقيقيا ما بين الوحدانية من عدمها، وما بين شكل الوحدانية المرجوة وكيفية التنزيه او التشبيه أو التجسيم ..الخ، فانها في حقيقتها ارتباط ايماني هام، ولكل دين أن يراها بزاويته، ولا تؤهل زاوية النظرالمختلفة لشطب الآخر من الانسانية أو من حق الحياة كما هو دأب المتطرفين والمتشددين بالأمس واليوم، لان الله يفصل بين الجميع بايمانهم ومعتقدهم يوم الدينونة وليس أنا أو أنت.

من هنا فان فكرة الخروج أو التكفير إن فُهمت بمعنى الطرد الانساني من النعيم، هي خالصة النظر من الله عز وجل، ولا يستطيع بشر أن يسمو لمقدرة الإله على تعيين الكافرأو الخرج عن الملّة وبالتالي الحكم عليه بالنار أو الجنة فيحز رقبته بالسيف، فهو أي الخالق من يعلم السرائر وحده وهو الأقرب من حبل الوريد للكل.

ولأن الله سبحانه وتعالى هو الفيصل وهو الحكم على الايمان والاعتقاد الكلي فإن مادته الأساسية التي يظهر فيها ارتباط المعتقد بالتنفيذ للتعاليم هي عبر السلوكيات، بما يعني أن عبادة بلا سلوك صالح وهم، لذا فقيمة التعايش والتعارف بين الناس تفترض التعدد وتفترض الاختلاف وتفترض الأفهام المتغايرة، والقادر القدير هو الفصل بمقدار التقوى وليس أنا اوأنت فلا تتوهم نفسك صاحب القداسة.

أنا مسلم أو أنا مسيحي وذاك بوذي أو هندوسي أو من أتباع المذهب الزيدي أو الاثنى عشري أو الارثوذكسي او الماروني وهي على اختلافها أفهام ترتبط أساسا بطريقة النظر العقدية للخالق، والمعتقدات عامة، وفي السياق المتعصب من كل الاديان ينسحب التقديس للمعتقد ومن يعتنقه على رفض الآخر وتشريع أو تسويغ قتله، ما لا يتفق مطلقا مع مفهوم التعددية والتعايش والاختلاف والتي هي أصل الخلق.

يقول الكاتب إميل أمين: "قطعاً يمكن أن تكون شرائع السماحة والتسامح هي الجواب الإنساني ضد دعاة البُغْض وحاملي رايات الكراهية، وهنا لا يجدر بنا أن نشكو من وجود المتشددين الذين يثيرون البغض ضد المختلفين معنا دينياً، بل يجب علينا أن نخجل من أننا بسبب ركوننا إلى الصمت نفسح لهم المجال الحر لتوسيع مجال الشر للإرهابيين والمتعصبين".

قد يقول قائل ولم كانت كل قصص الكتب المقدسة ترتبط بالحرب بين النور والظلام وبين الحق والباطل فيندثر الباطل ويبقى الحق المتآزر مع ربقة المؤمنين؟ فنقول إن زمن المعجزات التي ارتبطت بالأنبياء قد ولت وانتهت بخاتم الرسالات كما نعتقد نحن المسلمين، ويعتقد غير المسلمين بغالبهم، بمعنى أن اسقاط العقوبات بالدمار على الأمم السابقة من الله سبحانه وتعالى مباشرة كانت في ركاب الأنبياء فقط.

  تُرك للناس عامة أن يخوضوا صراع الحق والباطل من زاوية العقيدة بالتبشير والدعوة والموعظة والتفاهم والحوار، فمن يؤمن فلنفسه ومن يأبى فعليها، ولكن عليهم واجب أن يصلوا للقواسم الانسانية المشتركة في ظل اختلاف العقائد واحترام هذا الاختلاف.

لا يعني أن السير في ظُلمة الصراع الانساني الحتمي والذي هو مادة الحياة مؤداه القضاء حتما على الآخر بالقائه خارج الكرة الأرضية، ولنا في أبرز مثال ما حصل بين المسلمين والهندوس في الفتوحات الاسلامية فحين توقف المسلمون عند نقطة التعامل مع "الكفار" بمعنى القتل فكان هذا يوجب عليهم ابادة الهندوس؟ فأين السبيل وكيف الحل؟

اتخذ المسلمون قرارا بضم الهندوس لأهل العهد (الذمة بالمصطلحات القديمة) بمعنى عدم قتالهم لسبب عقيدتهم وتركهم عقديا وحالهم، بينما في غمرة الوازع الديني المتعصب والمتطرف انطلق الفرنجة كما يسميهم العرب (وهم أسموا أنفسهم الصليبيين) لتحرير قبر المسيح من الكفار في القدس، فكانت سيوفهم تقتل المسيحيين الأرثوذكس بالآلاف قبل أن تحز أعناق المسلمين، تماما كما فعلت محاكم التفتيش لمئات السنين التي فتنشت بالمعتقد المسيحي ذاته ناهيك عن المسلمين واليهود، ما هو أي محاكم التفتيش ما تفعله اليوم "داعش" والأشباه ك"جيش الرب" في كينيا ومتعصبو الهندوس في الهند.

ان الحوار والتفاعل والتواصل والتعايش بما يعنيه من ثلاثية: تقبّل وتفهّم وتجاور هو أصل التعددية وأصل منطق التعارف بين الشعوب.

 فلكل معتقده وليدرك أن المشتركات الانسانية هي أكبر كثيرا من الزوايا الآخرى، وهي التي تجعل من المعترك والساحة بين الأخلاق والقيم والسيلوكيات والتصرفات مشتركا عالميا يجد له من الحثّ والسند والتوافق بين الأديان الكثير.

 فليكف كل متعصّب أو مكفِّر أو متشدّد عن ازدراء غيره أو احتقاره أو الوقوف عند حدود معتقده ونبذه، فهذا شأنه ولي أن أهديه إن شئت او اتركه دون حكم.

بل علي أن احبه واحترمه وأقدره بنفس القدر الذي قال فيه المسيح عليه السلام أحبوا مبغضيكم وأحبوا أعداءكم (لست هنا بوارد الدفاع عن محتلي أرضنا مطلقا فالاعتداء على الأرض عدوان يجب رده حكما).

وكما وقف الرسول محمد صلى الله عليه وسلم احتراما للنفس الميتة اليهودية، وكما وقع وثيقة المحبة مع أهالي نجران المسيحية وكما كانت الصحيفة في المدينة، فان نقاط الالتقاء (الجائز ضمنها الصراع والحوار والالتقاء والاختلاف السلمي) وكما أسلفنا كبيرة وهي فوق ال90% وهي تفوق نقاط الخلاف العقدية الثابتة التي وجب أن نتركها لكل مؤمن ومعتقده فلا نحكم بالهلاك للآخر بها.

إن كل نفس انسانية يحق لها الحياة، وعليه فإن شمولية المسلك والتصرف والتواصل والفعل تطال كل الأديان فدعني وديني ولا تفرض علي رأيك أو معتقدك فرضا او بالسيف، ولك مني كل المحبة مع الاختلاف او الاتفاق.

* الكاتب أحد كوادر حركة "فتح" ويقيم في رام الله. - baker.abubaker@yahoo.com