2017-12-02

إحذروا العبث بالقدس..!


بقلم: عمر حلمي الغول

شارك نائب الرئيس الأميركي بنس في إحتفال الممثلية الإسرائيلية في الأمم المتحدة بذكرى صدور قرار التقسيم 181 قبل سبعين عاما، وأكد في كلمته "ان الرئيس ترامب يفكر جديا في نقل السفارة الأميركية للقدس، ومازال السؤال مطروح أمامه: كيف؟ ومتى؟" ولكن وفق بنس لن يكون ذلك بعيدا. وكما هو معلوم كان الرئيس الأميركي أثناء حملته الإنتخابية أطلق مرات عدة نيته نقل السفارة الأميركية للقدس. وتتداول وسائل الإعلام هذة الأيام أخبارا غير رسمية نقلا عن مصادر مسؤولة، بأن الرئيس ترامب سيلقي خطابا يوم الأربعاء القادم يقرر فيه نقل السفارة. ومع ذلك مازال من المبكر التعاطي الجدي مع ما طرح، لاسيما وأن الرئيس وإدارته يسعون لبلورة ملامح صفقة القرن للتسوية التاريخية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ورغم الإدراك المسبق بأن مصالح الشعب العربي الفلسطيني ليست أولوية عند الإدارات الأميركية المتعاقبة، إلآ انها تحرص على أخذ مواقف القيادة الفلسطينية والمواقف الرسمية العربية بعين الإعتبار. وبالتالي يمكن الإفتراض أن ما ذكره نائب الرئيس والحملة الإسرائيلية وشركاءها في الولايات المتحدة نوعا من أنواع الضغط والإبتزاز للرئيس ترامب نفسه، لاسيما وانهم يخشون من إقدامه على التناغم مع خيار دعم إستقلال الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. لإن موضوع نقل السفارة الأميركية للقدس كان حتى الآن جزءا من الحملات الإنتخابية لكل المرشحين للرئاسة الأميركية لكسب اصوات يهود أميركا، لكن بعد التنصيب يعود الرؤساء للإلتزام بقواعد وثوابت الدولة العميقة.

مع ذلك فإن على المراقبين أن لا يفاجأوا في حال إتخذ الرئيس ترامب قرارا غير محسوب النتائج بهذا الخصوص تحت ضغوط الكونغرس والمتصهينيون في إدارته وعلى رأسهم نائبه، إضافة لفريقه المسؤول عن ملف القضية الفلسطينية الإسرائيلية، وهو فريق مستعمر، وداعم بشكل أعمى لإسرائيل وسياساتها الإستعمارية. غير أن هكذا خطوة ستقلب المعادلة السياسية رأسا على عقب، ولن تبقي ولن تذر في مركبات التسوية السياسية المعتمدة من 1993 وحتى الآن. وستشطب مرجعيات السلام كلها منذ قرار التقسيم في ال29 من نوفمبر 1947، وليس بعد حرب يونيو 67 فقط. لإن اية خطوة من هذا القبيل، معناها عمليا إغلاق مسار التسوية السياسية نهائيا. وفتح الباب نحو دولة الأبرتهايد، الدولة الواحدة مع التمييز العنصري الموجود أصلا في الواقع العملي ضد كل الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية ومن الفلسطينيين الواقعين تحت نير الإحتلال منذ يونيو 1967.

وهكذا قرار دون مبالغة او ثرثرة زائدة سيكون له ما بعده على إسرائيل ومصالح أميركا الحيوية في المنطقة العربية برمتها، وسيعيد فتح الأبواب على مصاريعها أمام إشتقاق رؤية برنامجية إستراتيجية جديدة. ولن يكون من السهل بقاء واقع الحال على ما هو عليه راهناً لا في الشكل ولا في المضمون. لإن تجربة الـ  24 عاما من التوقيع على إتفاقيات أوسلو عام 1993 حتى الآن كافية للتأكيد على وصول النخب السياسية والشعب الفلسطيني على حد سواء إلى البرهان واليقين بأن إسرائيل وحليفتها الإستراتيجية أميركا ليستا بوارد منح الشعب العربي الفلسطيني بعض حقوقه الوطنية، وبالتالي سيكون الرد الطبيعي ودون إنفعال او تطير تغير قواعد اللعبة، وإعادة النظر في كل مرتكزات العملية السياسية.

وللمرة الألف يمكن للمرء ان يلفت نظر الرئيس دونالد ترامب وأركان إدارته لخطورة نقل السفارة الأميركية للقدس. هكذا قرار ليس مزحة ولا هو مسألة تكتيكية من وجهة النظر الفلسطينية، إنما هو مسألة مركزية ومحورية في النضال الوطني الفلسطيني. ولا يستطيع أي قائد فلسطيني التنازل عن القدس كعاصمة ابدية لفلسطين. وبالتالي إن شاءت أميركا الحرص على مصالحها في المنطقة، وإن كانت حريصة على إسرائيل، وإن كانت معنية بمحاربة الإرهاب فعليها ان لا تفكر بهكذا قرار، لإنه بمثابة بإنفجار بركان يلقي حممه في كل الإتجاهات.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com