2017-12-02

دولة الإمارات العربية المتحدة: النموذج الفيدرالي العربي الوحيد الناجح


بقلم: د.ناجي صادق شراب

في الثاني من ديسمبر عام 1971 أعلن السيد احمد خليفه السويدي أول وزير خارجية لدولة الإمارات عن قيام إتحاد دولة الإمارات بين إماراتها السبع الواقعة على ساحل الخليج العربي بعد إحتلال وحكم بريطاني دام لعقود طويلة. وجاء هذا الإتحاد بعد إعلان قرار بريطانيا عام 1968 عن عزمها الإنسحاب من المنطقة. وهنا تبرز حكمة وعظمة القيادة التي تمثلت في الشيخ زايد وأخيه الشيخ راشد وبقية حكام الإمارات بأنه لا بديل إلا الإتحاد والتوحد، والبحث عن إطار يجمع هذه الإمارات تحت إطار مؤسساتي او كيان جديد لم تتعود عليه، ولم يكن وقتها مصطلح فيدرالية شائعا، بل الفكرة الشائعة الوحدة بمفهومها القبلي، وهذا هو القرار الثاني الحكيم للقيادة عدم التسرع، والتروي والتدرج في عملية الإتحاد، وليس مهما التسمية، بل المهم الفكرة ذاتها. والقرار الثالث الحكيم للقيادة إدراكها الرغبة في الإستقلال لدى الإمارات السبع وهذا أمر طبيعي بعد سنوات الإحتلال الطويلة، ولذلك لا بد من رؤية وإستراتيجية بعيدة المدى للجمع بين الرغبه في الإستقلال والرغبة في الإتحاد. فجاءت مؤسسات الإتحاد أقرب إلى تحقيق هذه الرغبة متمثلة في مجلس الإمارات الذي يتكون من حكام الإمارات السبع والتي تختار رئيسا للدولة، وهو ما يشعرها انها مكون أساس في عملية البناء الإتحادي. هذه الرغبة في الجمع بين الإستقلال والإتحاد كانت من أهم أسباب قيام الدولة واستمرارها، وهي خاصية كل النظم الفيدرالية، وفي تجربة الإمارات منحت الإمارات قدرا من الإستقلالية في إدارة شؤونها الداخلية او ما يعرف بنظام اللا مركزية في الإدارة والحكم.

والخاصية الرئيسة التي أدت لقيام الدولة الدور الذي قامت به إمارة أبوظبي والشيخ زايد طيب الله ثراه في ظروف أقل ما يقال عنها أنها قد تدفع للإستقلال. فإمارة أبوظبي الإمارة الأكبر مساحة، والأكثر نفطا وثراءا، وقادرة على الإستقلال، بل إن قدراتها تفوق الإمارات الأخرى التي فضلت الإستقلال كالبحرين وقطر. بل ذهبت رؤية الشيخ زايد لوضع الإمارة وثروتها لإنجاح الإتحاد. فالإتحاد ليس مجرد إطارا دستوريا، وليس مجرد بناءا عاديا، بل هو رؤية تنموية، وعملية بناء شاملة. فالإمارات الأخرى لم تكن غنية، ولم تتوفر لها مقومات الحياة بسبب الإحتلال وفقر الموارد، والإتحاد من منظور القيادة بناء شامل يلمسه المواطن العادي، وتشعر به الإمارة، فكانت الحاجة للتعليم والصحة والخدمات الإجتماعية المختلفة وإنشاء شبكة  الطرق التي تربط الإمارات وهي إحدى شروط نجاح الإتحاد.

ولم يتوقف الدور عند هذه الحدود، فبعدت إمارة أبوظبي وقائدها الحكيم عن دور الإمارة المسيطرة المهيمنة، بل قامت على البعد الإنساني الأخوي. فالشيخ زايد أخ لكل حكام الإمارات، وأبوظبى إمارة مكملة لكل الإمارات. هذا المفهوم للحكم والدور هو الذي ساعد على قيام الدولة في أصعب ظروفها. ولقد أدرك الشيخ زايد أهمية الإنسان في عملية البناء فكان الإستثمار السريع في هذا الإنسان، وإدراكا منه بأهمية هذا العامل فتحت الإمارات أبوابها للعرب ومن الدول الإسلامية للمساهمة في عملية البناء في مراحلها الأولى، واتبعت سياسة التوازن والحكمة والإحتضان وعدم التمييز طالما أن المعيار هو العمل والإخلاص فيه وإعداد المواطن لتحمل مسؤولياته وما هو تحقق فعلا.

والسمة الأخرى التي قامت عليها هذه التجربة الفريدة في الحكم، وقد لا نجدها في بقية التجارب الفيدرالية الأخرى، مبدأ تناغم ثنائية الحكم بين إمارتي أبوظبي ودبي، هذه الثنائية في الدور ساهمت بشكل قوي في نجاح الدولة وتقبل فكرة الإتحاد. ثنائية تقوم على المشاركة والشراكة، وليست قاصرة عليهما بل إتسعت لتشمل كل الإمارت. فكما هو معلوم أي تجربة إتحادية قد تحتاج لدور الفاعل القيادي المحوري، وتوفر هذا في حالة أبوظبي والشيخ زايد، ولكن خصوصية الحالة فرضت هذه الثنائية الإيجابية. ولم تقتصر العلاقات على هذا البعد، بل إن من أهم العوامل التي ساهمت في نحاج التحرية وإستمرارها الأخوية الإنسانية والتفاعل الإيجابي بين حكام الدولة ونخبها الحاكمة، فرأينا هذه الثنائية الإيجابية في العلاقة بين الشيخ زايد وأخيه الشيخ راشد رحمه الله. وهي ظاهرة ما زالت قائمة حتى وقنا الحاضر ومجسدة في العلاقات الأخوية والثقة المتبادلة بين حكام الدولة، وكما نرى من تناغم بين الشيخ خليفة وبقية أخوانه وبين الشيخ محمد بن زايد واخيه الشيخ محمد بن راشد. هذا التناغم في القيادة وإكتمال الأدوار، وهذا التفاعل النخبوي يكمله اليوم تفاعل على مستوى المواطن ذاته من خلال توسيع المشاركة في عملية البناء مما يخلق ما يمكن تسميته بالمواطنة الإتحادية. وما كان لهذا الإتحاد ان ينجح ويستمر لولا سياسة الحكمة والتوازن والنأي عن الصراعات الإقليمية والأطماع التي كانت تحيط بالدولة وتتربص بها. فلقد جاء قيام الدولة في أحلك وأصعب الظروف الدافعة للإستقلال اكثر من الوحدة. وهناك العديد من الدول التي كانت تطمع في هذه المنطقة الغنية بثرواتها النفطية والضعيفة وقتها، وهنا تبرز حكمة القيادة دائما. فإيران قامت بإحتلال الجزر الثلاث، وساعدها على ذلك عوامل إقليمية ودولية، والكل بات ينظر للمنطقة على أنها منطقة فراغ للقوة لا بد من ملئه.

وهنا الأولويات التي حكمت رؤية القيادة: الإتحاد أولوية عليا، لأن هدف الدول الأخرى هو الحيلولة دون قيام دولة قوية، اما الجزر فتبقى إماراتية، ويبقى موقف الدولة قائما على رفضها لهذا الإحتلال، ولكن في النهاية نجحت الدولة ان تتحول من منطقة وخاصرة جغرافية ضعيفة لدولة قوية تملء الفراغ بقوتها وإمكاناتها، وهذا ما نراه اليوم من دولة تجاوز دورها الحدود الجغرافية، وتساهم في عملية البناء الإنساني والحضاري على المستوى العالمي بما تقوم به من دعم إنساني، ودعم للشرعية الدولية ممثلة في الأمم المتحدة.

ويبقى هناك جانب مهم في قراءة هذه التجربة الإتحادية الفريدة في عالمنا العربي وهي عملية مواكبة التطور والبناء ومواكبة الثورة الصناعية الرابعة، والتعامل مع المستقبل وكأنه حاضر، فالعالم يتغير من حولها، وموازين القوة في حالة تغير كامل، وعدم الإستجابة ومواكبة كهذه التغيرات قد يعرض الدولة لتهديدات وتحديات كثيرة فالمنطقة منطقة إستهداف من قبل الدول الطامعة وهي كثيرة، فكان التعامل مع مفهوم القوة الشاملة، الصلبة والناعمة والذكية، لتضمن لها دورا ومكانة في عالم تحكمه القوة.

دولة الإمارات تقدم اليوم نموذجا في الحكم الرشيد، وفي نموذج بناء القوة، وهذا بفضل الرؤية التنموية الشاملة لقيادتها، والتفاعل الإيجابي بين القيادة والمواطن، وبالمشاركة الواسعة لكل المواطنين، وان الحكم له بعد إنساني ومسؤولية ومحاسبة، وليس تسلطا.. دولة تعيش ماضيها بحاضرها وحاضرها بمستقبلها. لهذه الأسباب وغيرها نجحت دولة الإمارات.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com