2017-11-30

عودة تفاهم الأسد مع الأميركيين؟


بقلم: د. أحمد جميل عزم

في الوقت الذي يدور الحديث فيه بشكل مستمر عن سيناريو مفترض أو ممكن تلتقي فيه مصالح عربية مع الإسرائيليين ضد إيران، فإنّ ما يحدث في سورية، مع ضجيج إعلامي أقل، هو التقاء مصالح بين نظام الحكم القائم هناك والأميركيين، ضد تنظيم (داعش)، وفي سبيل ضمان عدم الخروج عن سيطرة الجميع، ما يؤدي إلى تحولات مهمة ميدانياً.

ما يحاول الإسرائيليون فعله، بدعم أميركي، هو ترويج التقاء المصالح ضد إيران وضرورة تحويل هذا "الالتقاء" لتحالف علني، ولكن ما يحدث في سورية يكشف كذب هذه المزاعم.

كثيراً ما تحالف النظام السوري مع الأميركيين. وأوضح مثالين على ذلك، القتال معاً ضد نظام حكم صدام حسين في العراق، العام 1991. ومثال آخر، ترتيبات الخطوط الحمراء المعروفة في لبنان، الذي سمح أن يكون الجيش السوري شبه صامت أثناء غزو الإسرائيليين للبنان العام 1982، واحتلاله لأجزاء من لبنان بعد ذلك، فرغم تباين المصالح الذي سببه دعم النظام لمن يؤمن له السيطرة له في لبنان، بما في ذلك حزب الله، الذي كان القوة الأقدر على مواجهة وهزيمة الإسرائيليين، فإنّ العلاقة السورية – الإسرائيلية، وبقدر أكبر العلاقة السورية – الأميركية، لم تكن يوماً لعبة "صفرية" لا مجال فيها لالتقاء المصالح، وجرى الالتقاء، كما ذكر سالفاً.

يلخص روبرت فورد، في عدد مجلة فورين أفيرز الحالي، الوضع في سورية بأنّ قوات الرئيس بشار الأسد، تعزز قبضتها في النصف الغربي من البلاد، أما في الشرق فإنّ القوات التي تدعمها الولايات المتحدة الأميركية، تتقدم فوق بقايا "داعش". ويوضح "بينما هاتان حملتان منفصلتان حتى الآن، فإنّ هذا يتغير، فالأسد بمساعدة الإيرانيين والروس، بدأ بالحصول على قوة متزايدة في الشرق". ويوضح فورد، أنّ هناك سيناريو يلوح بالأفق هو دخول القوات السورية (النظامية) والقوات المدعومة أميركياً لذات المدن قريباً، وبالتالي "على واشنطن أن تقرر إذا ما، ومتى، وكيف تنسحب".

بحسب الكاتب، فإنّ الإيرانيين والنظام السوري وحتى حزب الله، في مرحلة قد لا يمانعون من التحالف مع "الجهاديين" (المهزومين) لمحاربة الإسرائيليين، إذا اتجهت الجهود الأميركية لإسقاط حكم الأسد، وبالتالي باعتقاد الكاتب، أنّ العمل على ترك سورية بعد تنسيق مع الروس، للتأثير في الإيرانيين، هو أقل الخيارات سوءاً. وبكلماته: بما أنّ "إسرائيل والولايات المتحدة قد قررتا ومنذ سنوات قبول بقاء الأسد في الحكم"، فعليهما تقبل وجود إيران هناك الآن.

منذ سنوات، إبان حكم باراك أوباما، كان القرار الأميركي عدم بذل جهد كافٍ لإسقاط حكم بشار الأسد، إلا إذا كان من المضمون معرفة من القوة التي ستسيطر بعده، فلا يتكرر سيناريو العراق. ورغم مؤشرات التسهيلات الإسرائيلية لبعض "الجهاديين" في سورية، كنوع من عملية توفير فرص الاستنزاف المتبادل لكل الأطراف في سورية، فإنّ المعادلة الأكثر أماناً للإسرائيليين، هي العودة لمعادلات العلاقة مع النظام السوري، منذ العام 1973، أي ضمان الجبهة الهادئة في الجولان، والتسويات الجزئية هنا وهناك. وهناك قلق أميركي وغربي (أكثر مما هو إسرائيلي) من تحول سورية لمكان لتنظيمات "القاعدة" و"داعش" كما حدث في العراق، ويمكن للنظام السوري ضمان عدم حصول ذلك.
 
لقد أثبتت حرب سورية، حتى الآن، (وقبل ذلك العراق) أنّ القوى الكبرى، تستطيع تهديد وهز أنظمة مناوئة ولكن لا تعرف بناء بدائل، وهذا ما يجعل نظام الأسد، البديل الأقل سوءا للأميركيين.

وتثبت الأحداث في سورية أنّ التحالفات أشبه برمال متحركة، متغيرة في كل وقت، ولا توجد مبادئ أو مشاريع تغيير حقيقية كبرى في المنطقة، فالكل يسعى لمصالحه، ويمكن أن يلتقي الإيرانيون مع الأميركيين في مصالح مشتركة، كما التقوا في حرب العراق، وفي أفغانستان، والآن يتجهون للالتقاء في سورية. وفي الوقت ذاته فإنّ الحلفاء العرب للولايات المتحدة مع كل الجهود لاحتواء إيران، ورغم كل الادعاءات عن موقف متشدد من واشنطن إزاء طهران، وتحويل الأخيرة لما يوصف بعدو مشترك، يراد له تبرير تحالف إسرائيلي عربي، فإنّ الحقيقة أنّ الموقف الأميركي يتقبل التفاهم مع إيران، فيما يؤكد الافتقار لاستراتيجية تغيير كبرى في المنطقة.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com