2017-11-29

التأصيل لعلاقات جادة..!


بقلم: عمر حلمي الغول

شكل "قانون مكافحة الإرهاب" الصادر عن الكونغرس الأميركي عام 1987 حجر عثرة في العلاقات الأميركية الفلسطينية، كونه نص على تحريم إقامة مكتب لمنظمة التحرير أو أي من مكوناتها على الأراضي الأميركية، وحرم إستلام أي شيء ذو قيمة من المنظمة أو صرف أموال لها. الأمر الذي أدى إلى إغلاق مكتب المنظة، الذي كان يعمل بإسم مكتب الإعلام الفلسطيني آنذاك، وتم نقل الطاقم الفلسطيني إلى مقر جامعة الدول العربية. وفي أعقاب 1988 وبدء الحوار الأميركي مع المنظمة تم إفتتاح مركز الشؤون الفلسطينية، ولكن لم يحمل ذلك التطور إقامة علاقة رسمية مع المنظمة، ولم يسمح بإستلام أموال من م.ت.ف حتى العام 1994.

غير ان بعثة م.ت.ف في الأمم المتحدة بنيويورك قامت بمقاومة ذلك القانون، حتى انه لجأ إلى محكمة العدل الدولية، التي اصدرت فتوى بهذا الخصوص، كما تم التوجه إلى المحكمة الأميركية عبر الأصدقاء الأميركيين نتج عنه إستثناء البعثة بإعتبارها مغطاة بإتفاقية المقر بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة.

تلا ذلك تطور ملتبس ومربك بعدما إعتمد الكونغرس عام 1994 قانون لدعم عملية السلام في الشرق الأوسط، حيث أعطى الرئيس الأميركي الحق بتيعلق تنفيذ المنع المتضمن في "قانون مكافحة الإرهاب" لمدة ستة أشهر، إذا لاحظ عدم قيام المنظمة بأعمال إرهابية، وأكد إلتزامها بما جاء في رسالة الإعتراف المتبادل مع إسرائيل، وأوفت بالتزاماتها الأخرى، وأن التعليق يحقق المصالح الأميركية، ويحق للرئيس تمديد التعليق ستة أشهر أخرى. وعليه (الرئيس) العودة للكونغرس كل بداية عام جديد لمنحه الصلاحية ذاتها.

ومن مثالب القانون الأميركي أن م.ت.ف عندما تحتاج للحصول على تأشيرات دخول للولايات المتحدة يفترض بوزير الخارجية الأميركي بتعليق الأحكام القانونية ذات الصلة. ولم يشفع لأعضاء الممثلية الفلسطينية قرار الإدارة ألميركية في يونيو 1994، الذي إعتبر البعثة كبعثة أجنبية  تعمل في أميركا وفق أحكام قانون البعثات الأجنبية، لإنه لم يعتبر البعثة ديبلوماسية، ولا تتمتع بأي إمتيازات أو حصانة، أضف إلى انها ممنوعة من إدعاء "تمثيل دولة فلسطين" أو حتى إستخدام فلسطين؟!

والأخطر تمثل في قانون الإعتمادات المالية عام 2016 حيث اضاف الكونغرس أحكام متعلقة بشروط الدعم المقدمة للسلطة الوطنية، وجاء فيه أن الدعم يجب ان يتوقف إذا إكتسب الفلسطينيون صفة مثل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أو منظماتها المتخصصة، وإذا قاموا بإطلاق أو دعم أي عملية تحقيق ضد مواطنين إسرائيليين في المحكمة الجنائية الدولية، وعلى الرئيس الأميركي أن يشهد على حدوث ذلك.

هذة القوانين وإشتراطاتها عقدت العلاقات الأميركية الفلسطينية، حيث أنها باتت سيفا مسلطا على رقبة منظمة التحرير او بعثتها الديبلوماسية في أميركا، مما دعا وزارة الخارجية الأميركية لإتخاذ خطوتها الدراماتيكية بإبلاغ الممثلية قبل ايام بإغلاقها، لإن القيادة توجهت لمحكمة الجنايات الدولية، ثم تراجعت عن ذلك برسالة رسمية، ولكن هذا التراجع لم يلغِ القوانين، لإنه مؤقت وأعطى فرصة ال90 يوما للرئيس ترامب لمنح شهادته للكونغرس بأن م.ت.ف ملتزمة بما تضمنته قوانينه ذات الصلة.

هذا الأمر يحتاج إلى إعادة نظر جدية وجذرية في التعامل من قبل الإدارة الأميركية مع ممثلية المنظمة ومنح التأشيرات لإعضاء المنظمة. لإن بقاء الحال على ما هو عليه يحول دون تمكن الولايات المتحدة من القيام بدورها كراعي أول لعملية السلام، ويضع قيودا على م.ت.ف دون ان يقابلها أية قيود أميركية على دولة الإستعمار الإسرائيلي. الأمر الذي يستدعي بحث العلاقات الثنائية بشكل جدي ومختلف عما تتضمنه القوانين الأميركية. رغم الإدراك أن الرئيس ترامب وإدارته لا يستطيعون فعل الكثير مع وجود كونغرس منحاز بشكل أعمى لصالح إسرائيل، دون النظر للمصالح الفلسطينية.

ولعل لقاء الرئيسين ابو مازن وترامب في المستقبل القريب يمنحهما الفرصة لمناقشة المسألة من جوانبها المختلفة، والعمل على إيجاد صيغ تعيد الإعتبار لعلاقات ثنائية تقوم على اسس تخدم عملية السلام، وتسمح بالتمثيل الديبلوماسي الكامل لممثلية المنظمة إسوة بكل البعثات الديبلوماسية العاملة في الولايات المتحدة، وهو ما يلزم الرئيس الأميركي بالضغط على أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لإعادة النظر في قانون مكافحة الإرهاب والإعتمادات المالية لتستقيم العلاقات الثنائية، وتسمح لإميركا بلعب دورها في عملية السلام. هناك حاجة للتأصيل لعلاقات ناضجة ومسؤولة بين الجانبين. الكرة الآن في الملعب الأميركي.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com