2017-11-29

"إنفلات" تطبيعي في القدس.. والتطبيع ليس وجهة نظر..!


بقلم: راسم عبيدات

في الفترة الأخيرة نشهد هجمة تطبيعية اسرائيلية شاملة على مدينة القدس، هجمة تشمل الكثير من مناحي حياتنا، وتستهدف المؤسسات الشعبية، والهجمة تركز على  الشباب والنساء على وجه التحديد، وهناك سعي حثيث ليس فقط لتهويد المكان والمشهد المقدسي، بل نجد ان هناك سعي حثيث لتهويد أسرلة الواقعين التجاري والإقتصادي، وقد أثير الكثير من الجدل حول العديد من الأنشطة والفعاليات واللقاءات، هل هي تطبيعية ام لا..؟ وما الذي يمكننا من القول بان هذا النشاط تطبيعي أم لا..؟ وهل هناك معايير واضحة ومحددة، أم ان المسألة مرتبطة بحالة مزاجية او شخصية..؟ وهل هناك تعريف واضح للتطبيع..؟ وهل يجري التعامل مع الأنشطة التطبيعية في إطار جمعي وموقف عام ومرجعية  وطنية على غرار حركة المقاطعة (BDS)..؟ تحدد هذا نشاط تطبيعي أم لا..؟

لا شك بان قضايا التطبيع من القضايا الخطرة على صعيد اختراق جدار الوعي المقاوم، ولكن يجب علينا القول بأننا في مدينة القدس نعيش حالة مركبة، تسمح لمن يريدون القيام بأعمال وانشطة تطبيعية، ان يتستروا خلفها ويعملوا على تمييع وتعويم مفهوم التطبيع والحدود والتخوم ما بين ما هو تطبيع وما هو ليس بالتطبيع، لخلق حالة من الجدل والتشكك والتشوش عند الجماهير، فعلي سبيل المثال، من يقدمون على التطبيع، يقولون هل التعامل مع مؤسسة التأمين الوطني والمراكز الصحية الإسرائيلية "كوبات حوليم" تطبيع ام لا..؟ وهل هناك ما هو قسري في حياتنا ويحمل صفة الإجبار في ظل غياب البديل، وما هو طوعي ويمكن عدم تنفيذه والتعاطي معه..؟

كل هذه التساؤلات مشروعة وجدية، وتحتاج الى موقف ناظم، وإطار ومرجعية تحدد وتصوب المفاهيم، وتقول بما هو تطبيعي وبما هو غير تطبيع. وقبل الخوض في ذلك لا بد لي من الإجابة على سؤال تعريف مفهوم التطبيع، فالتطبيع بالمفهوم العام مع الاحتلال الإسرائيلي والذي بدأ الحديث عنه مع توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979 بأنه "إقامة علاقات سياسية، اقتصادية، ثقافية، واجتماعية، فنية، أكاديمية طبيعية بين الدول العربية وإسرائيل قبل تحقيق السلام الشامل والعادل، وبالتالي فإن التطبيع مع إسرائيل يعني قيام علاقات طبيعية في واقع وشروط غير طبيعية.

ومن الهام جداً القول بأن التطبيع مع إسرائيل بعد أوسلو، قد اختلف بشكل كبير جداً عن مرحلة ما قبل أوسلو، فأوسلو كبل الجانب الفلسطيني بالكثير من القيود السياسية والاقتصادية والأمنية على وجه الخصوص، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يحظر على الطرف الفلسطيني القول العدو الإسرائيلي، واستبدال ذلك بالطرف الآخر، وعدم وصف من يقتلون في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالشهداء، وكذلك في الجغرافيا الفلسطينية، يحظر على الفلسطينيين في منهاجهم الدراسي، القول بأن مدن عكا ويافا واللد والرملة وغيرها من مدن الداخل الفلسطيني- 48- مدن فلسطينية، كما أن اتفاقية باريس الاقتصادي، تلزم الطرف الفلسطيني بإقامة المشاريع الاقتصادية المشتركة، وكذلك إقامة علاقات بين المؤسسات والاتحادات الشعبية الفلسطينية والإسرائيلية وغيرها.

ان الداعين إلى التطبيع مع إسرائيل عرب وفلسطينيين، ينطلقون في دعوتهم بأنه علينا أن نكون -"واقعين وعقلانيين"- وأن نتعامل مع الواقع، وأنا أرى أن مرد ذلك يعود الى ثقافة الهزيمة، ثقافة الاستسلام والتسليم بالأمر الواقع، والتي أرسى دعائمها الراحل السادات بالقول أن 99% من أوراق الحل بيد أمريكا وإسرائيل، ومن جاؤوا بعده من قيادات النظام الرسمي العربي، صاروا على نفس النهج، وأرسو مدرسة تطبيعية عنوانها الخنوع والاستسلام، مدرسة التفاوض من أجل التفاوض، وأي تفكير أو بحث خارج عن هذا الإطار، هو تطرف وعدم عقلانية وواقعية و-"إضرار بالمصالح العربية-"، وخصوصا واننا في هذه المرحلة نشهد حالة غير مسبوقة من "الإندلاق" العربي الرسمي للتطبيع مع اسرائيل بشكل مشرعن وعلني على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

اذاً التطبيع هنا يصبح آلية سياسية وثقافية واقتصادية تستهدف القفز عن الجذور والأسباب التاريخية للصراع وأيضاً التعامل مع نتائج الأمر الواقع باعتبارها معطيات طبيعية، بمعنى تكريس نتائج الحروب العدوانية الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني والأمة العربية والقبول بتلك النتائج باعتبارها حقوق إسرائيلية مكتسبة.

ولعل أخطر ما تحمله وتهدف إليه سياسة وثقافة التطبيع هو فرض التعامل مع إسرائيل كدولة طبيعية وكأن الصراع معها انتهى، وهذا جوهر ما قامت وتقوم عليه خطة الرئيس الأمريكي "ترامب" ما يعرف بصفقة القرن التطبيع الشامل العلني والمشرعن مع العالم العربي، مقابل تحسين شروط وظروف حياة الشعب الفلسطيني تحت الإحتلال، أي تشريع وتكريس الاحتلال وتأبيده "السلام الإقتصادي"، وأبعد من ذلك توفير الغطاء السياسي والثقافي لذلك الاحتلال، ونزع الأبعاد السياسية والثقافية والأخلاقية عن شرعية النضال الفلسطيني لإنهاء الاحتلال.

وفيما نشهده من حالة انهيار عربي رسمي غير مسبوقة نحو تطبيع علاقاته مع اسرائيل، وحالة "توهان" وضعف وإنقسام وتضارب مواقف ومصالح وإختلاف المنطلقات وتعدد مصادر القرار فلسطينياً، بات البعض عندنا يعتقد بان كل شيء مباح، وان من يقف ضد التطبيع وشرعنته، يغرد خارج السرب، وفي رأسه "ميه عتيقه"، وفاقد للبوصلة والإتزان ومصاب بعمى ألوان وضبابية الرؤيا.

علينا ان نميز جيداً وبوضوح بين الأنشطة التطبيعية وغير التطبيعية والأنشطة التضامنية التي تقوم بها قوى وحركات إسرائيلية للتعبير عن موقفها في رفض وإدانات ممارسات الاحتلال، وبالتالي نحن في هذا الإطار لا نقف ضد أي نشاط أو عمل تقوم به قوة أو حركة إسرائيلية تبادر لرفض وإدانة ممارسات الاحتلال، ولكن البعض يريد أن يستغل هذه النافذة هنا، لكي يلتف على الموقف الوطني من أجل ان يفلسف الأمور ويبرر لنفسه او لمجموعته او مؤسسته القيام بالأنشطة واللقاءات التطبيعية، تلك الأنشطة الهادفة أصلا إلى تخريب وعي شبابنا وشعبنا، والى اختراقنا سياسيا واقتصاديا وثقافياً وحتى نفسياً، وأغلب تلك الأنشطة هي لتحقيق مكاسب ومنافع شخصية ونوع من الدعاية بأن هناك -"تعايش وسلام ووئام-" بين شعبنا والإسرائيليين، مثل الأنشطة الرياضية المشتركة والثقافية والأكاديمية والحوارية على المستوى الشبابي والنسوي والسياسي وغيره، وهذا البزنس-" الضار، اولا عدا عن ما يلحقه بقضيتنا وهويتنا وثقافتنا ووعينا من ضرر، فهذه الأنشطة تبييض لصفحة الاحتلال على المستوى العالمي وإخراجه من دائرة عزلته المتنامية عالمياً بسبب ممارساته القمعية والعنصرية، والبعض يخلط عن عمد ويميع التخوم والحدود والفواصل ما بين التطبيع والتضامن، ويعتبر أنه -"فلتت زمانه وسابق عصره-"، فهو يريد ان يترجم أفكاره وقناعاته ويجربها ويختبرها على ارض الواقع، بدون أي مساءلة او محاسبة حتى لو كانت متعارضة ومتناقضة مع الموقف الوطني العام والمصالح العليا للشعب الفلسطيني، ويريد ان يثير من حوله الصخب والضجيج والببروغندا، وهنا يجب ان يكون واضحاً بأن حل هذه الإشكالية منوط بموقف سياسي حازم، برفض كل أشكال التطبيع وبمختلف مسمياتها مع دولة الاحتلال وعلى كل المستويات.

التطبيع له أشكال وتجليات مختلفه ثقافي، سياسي، إقتصادي، امني، رياضي وغيره من أشكال التطبيع الأخرى، ولكن من وجهة نظري الشكل الأخطر، هو الثقافي، الساعي الى عملية إختراق جدار الوعي المقاوم، في إلإطار القاعدي والمؤسساتي، مدارس وجامعات ومؤسسات تربوية ونسوية وشبابية، رحل مشتركة، انشطه ثقافية وفنية ورياضية مشتركة، وهكذا، وهنا يتم "كي" و"تقزيم" الوعي، ومن ثم لاحقاً السيطرة على الذاكرة الجمعية، بغرض "صهر" الوعي  و"تطويعه" كما يحصل في أسرلة المنهاج في مدينة القدس.

التطبيع الإقتصادي يجب ان يفرد له مقالة خاصة، خاصة بان الإحتلال يستهدف القطاعات الإقتصادية والتجارية في مدينة القدس، من خلال شل الحركة التجارية والإقتصادية، عبر سلسلة اجراءات وممارسات امنية قمعية، تفتيشات مظله، حواجز ونقاط تفتيش، مظاهر امنية وشرطية ثابته على بوابات القدس، كاميرات ذكية ومجسات حساسة تنتهك الخصوصية، ومنصات ثابته للسيطرة على بوابات المدينة، والضرائب بأشكالها المختلفة، وبالذات المسقفات "الأرنونا" ..الخ، والآن تجري عملية غزو  اقتصادي ممنهجة، بهدف أسرلة الحركة التجارية والإقتصادية في المدينة، ولحسم الموقف من التطبيع، ورسم الحدود والتخوم ما بين ما هو نشاط او عمل تطبيعي أو غير تطبيعي، او تضامني، أرى أن يكون هناك مبادرة، لعقد مؤتمر وطني مناهض للتطبيع، لما لقضية التطبيع من أهمية وخطورة وتداعيات على الوعي والثقافة والوجود والمشروع الوطني الفلسطيني، على كل القوى السياسية الفلسطينية وطنية وإسلامية، أن تشارك في هذا المؤتمر بفاعلية، من أجل تحديد المرجعيات والاتفاق على أشكال النضال لمواجهة التطبيع ومهام العمل التي يجب الاتفاق عليها والتي تخدم حقوق الشعب الفلسطيني والمرتبطة بهذا الصراع، وكذلك تحديد مظاهر التطبيع من أجل العمل على مواجهتها ورسم استراتيجيات العمل لمناهضة التطبيع على المستويات الفلسطينية والعربية والدولية.

* كاتب ومحلل فلسطيني يقيم في مدينة القدس. - Quds.45@gmail.com