2017-11-28

الارهاب في العريش وفلسطين في سيناء ومصر تنزف وتتخبط..!


بقلم: رائف حسين

العمل الاجرامي الإرهابي الذي اصاب العريش اخيراً وراح ضحيته اكثر من ثلاثة مائة من الأطفال والمسنين والشباب الأبرياء لم يكن العمل الإرهابي المتأسلم الاول الذي اصاب مصر ولن يكون الأخير دون أدنى شك. السؤال ليس هل سيضرب الارهاب المتأسلم مرة اخرى أم لا؟ السؤال متى وأين؟
 
حاضنة الارهاب في مصر وفِي العالم الاسلامي كبيرة جدا وما رأيناه حتى الآن من اعمال ارهابية وحشية هو الارهاب الظاهر فقط.. الارهاب المبطن، هذا الارهاب الذي زُرِعَ على مدار قرون في عقول المسلمين، بدأ الآن في الظهور بأشكال مختلفة وفِي مواقع مختلفة وباخراج مختلف من بلد الى آخر ومن موقع الى آخر، لكن جذور هذا الارهاب المتأسلم واحدة؛ فقه شيوخ الفتنة ويدهم الطويلة في المجتمع الاسلامي والدول الاسلامية.

قوة هذا الارهاب لا تكمن في الآلاف التي جندها هذا الارهاب للأعمال الاجرامية هنا وهناك.. قوته تكمن بمئات الملايين من المسلمين الساكتة على هذا الارهاب والملايين التي تحتضنه وترعاه والحكومات في الدول الاسلامية التي استقوت بالتيارات الاسلامية ودعمتها لتقف امام التيارات الوطنية والقومية على مدار عقود.. والآن تدفع هذه الأنظمة فاتورة أخطائها الاستراتيجية.

المصيبة الكبرى ان هذه الأنظمة، ومصر منها، ما زالت تتخبط بالتعامل مع هذه الظاهرة وتلقي اللوم على أطراف اخرى بدل ان تضع إصبعها على الجرح وتبدأ بجدية بالعلاج الصحيح لهذا الوباء الذي اصابها وأصبح ينخر في جسدها يوماً بعد يوم.

في الوقت الذي ضرب الارهاب مصر العروبة تواجدت في سيناء ولفت نظري كلمات سائقي الذي نقلني من المطار في شرم الشيخ الى الجنوب. وقبل ان نصل الى الحاجز الأمني الاول نبهني ان اعرف نفسي كالماني أو ان أقول انني من "عرب اسرائيل"، والحق هذه العبارة مباشرة بتأسف على هذا التعبير بقوله "فلسطين والفلسطينيون تاج رأسنا جميعاً لكن الامر اختلف للاسف بعد الثورة". وبدأ في توضيح الأمر من وجهة نظره وقال: "دعم حماس لنظام مرسي والاخوان بمصر غير موقف المصريين واليوم اصبح الفلسطيني في عيون الأجهزة الامنية مشتبه به بدعم الارهاب في سيناء"..!

خلال اقامتي في مصر فكرت في كلام السائق الشاب البشوش طويلاً.. وعندما نقلني للمطار ثانية كان قد ضرب الارهاب العريش.. وكلمني اثناء عودتنا عن ألمه والدمع بعينيه..

منذ عودتي من مصر والسؤال يدور في رأسي: هل مصر محقة باتهام "حماس" في دعم الارهاب؟ وهل هذا تكتيك من النظام المصري أم انه تعبير صارخ عن التخبط في التعامل مع قضية الارهاب؟ أسئلة عديدة دفعتني ان اكتب هذا التحليل وان أسلط الضوء على هذه القضية التي سوف ترافقنا سنوات طويلة للاسف.

دون أدنى شك ان حركة "حماس" بجذورها الاخوانية تعاطفت مع نظام الاخوان في مصر وفرحت بفوز الاخوان في الانتخابات ووصول الاخواني مرسي  للحكم في اكبر دولة عربية. حماس رأت في وصول مرسي للحكم دعماً لها وقارب إنقاذ لها بعد انقلابها العسكري على الرئيس الفلسطيني محمود عباس وتهوراتها بالسياسة الخارجية التي نقلتها لاحقاً من الحضن السوري الإيراني الى الحضن القطري. رغم ان حماس ومنذ تأسيسها عام 1988 أكدت وتؤكد مراراً على انها لا تتدخل بالشأن الداخلي لأي قطر عربي شقيق الا انها في حالة مصر خرجت عن هذه القاعدة كما خرجت لاحقاً عنها في سوريا وعضت اليد التي قدمت لها المأوى والحضن الدافيء. الاتهامات المصريه التي أتى به الرئيس السيسي عديدة...لكني استكفي هنا باثنين منهما لتدوالهم الدائم بالإعلام المصري وتم تداولهم بعد العمليه الارهابيه في العريش:

 الاتهام الاول ومفاده ان حماس هي التي خططت ونفذت هروب مرسي من سجنه وساعدت الاخوان على تفخيخ الكنائس ومقرات الشرطة لتفجيرها بحالة خسارة الاخوان للانتخابات في مصر، هذه الاتهامات لم تدعم حتى الآن بأي برهان قاطع وأدلة ثابتة وواضحة على انخراط "حماس" بهذه "المؤامرة الاخوانية". لكن هذا الادعاء بقي راسخاً في عقول المصريين وأصبح أمر مسلم به للاسف.

الاتهام المصري الثاني يدعي ان الأنفاق التي بنيت بين قطاع غزة وسيناء استعملت ايضاً لتهريب الإرهابيين من غزة الى سيناء وتزويدهم بالسلاح والذخيرة عبر هذه الأنفاق.
 
قبل التعاطي مع هذين الاتهامين لا بد من التنويه على ان المتهم بريء حتى إثبات التهمة عليه... وان حركة "حماس" حركة ايدلوجية تتخذ الاسلام هدفاً ومساراً لها وجذورها راسخة في حركة الاخوان المسلمين لكنها ايضاً حركة براغماتية تعاملت منذ أيامها الاولى بكل ما واجهها من تحديات بمبدأ الربح والخسارة.. نعم هي اخطأت أحياناً في حساباتها لكنها بعيدة جداً على ان تكون حركة متهورة تصبوا نحو الربح السريع والنجاحات الآنية..!
 
شخصيا لا اعتقد ان حركة الاخوان المصرية بكبرها وتمددها وتشعبها وانتشارها بين جميع طبقات الشعب المصري وصولاً الى الجيش المصري واجهزته الأمنية والمخابراتية كانت بحاجة الى مساعدة "حماس" وعناصرها لتهريب قادة الحركة من السجون المصرية.. من المحتمل ان عناصر من "حماس" التي تواجدت في هذه الفترة بمصر، وبطبيعة الحال تربطها علاقات حميمة مع الاخوان، قد انزلقت وانخرطت مع عناصر اخوانية في عمليات مداهمة السجون وتهريب المساجين.. الأدلة بالتحليل العلمي لحركة "حماس" وتعاطيها مع الأمور يوصلنا الى قناعة على ان إمكانيات تورط الحركة رسمياً وتورط صفها القيادي العسكري بمثل هذه الاعمال، هو احتمال ضئيل جداً..!

اما الاتهام بان الأنفاق استعملت لتسلل إرهابيين سلفيين الى سيناء بعد ان تدربوا بغزة فهو محتمل جداً وذلك لعدة أسباب: 

اولا بعد الانقلاب في غزة تمت محاصرة "حماس" سياسياً في كل المجالات وضاقت الدنيا بقادة الحركة ورأى البعض المخرج من هذا المأزق بمحاولة تسويق "حماس" على انها حركة اسلامية معتدلة.. وحاولت "حماس" ان تقدم نفسها للعالم على انها حركة تنبذ التطرّف الاسلامي وتحاربه ايضاً.. لهذا الهدف غضت الحركة النظر لفترة قصيرة عن الحركة السلفية في غزة والتي بدأت تنتشر قبل الانقلاب وزاد نفوذها بعده لتعود في سنة 2009 لتضرب قاعدة الحركة السلفية بنارها دون هوادة. قسم من هذه الحركات الراديكالية هرب من سخط حماس الى سيناء وقسم اخر بقي بغزة ومن هؤلاء من خرج لاحقاً عبر الإنفاق والتحق بالحركات الإرهابية بسوريا... اذا الاحتمال بأن عناصر من الحركات السلفية الإرهابية الفلسطينية قد تسللت من غزة الى سيناء وانخرطت مع امثالها من عناصر ارهابية مصرية واجنبية وعربية أتت من سوريا ومن ليبيا الى سيناء أمر يجب أخذه بالحسبان ووقائع الأحداث تثبت صحة هذا الاتهام.

السبب الآخر هو ان اصحاب الأنفاق في غزة كانوا يتطلعون للربح السريع دون الاهتمام بما يمر بالنفق ولمن.. المهم كان عند هؤلاء هو الثمن..! لهذا كان تقديم خدماتهم يحتكم لقاعدة السعر فقط، ومن المحتمل ان عناصر سلفية، والتي اثبتت ان مواردها المادية لا تجف،  قد دفعت مبالغ لتهريب عناصرها وسلاحها لسيناء للالتحاق بأمثالها من الإرهابيين هناك خصوصاً بعد ما سمي زوراً "بالربيع العربي". ومن المحتمل ايضاً ان "حماس" التي كانت تعيش ضائقة مالية خانقة لم تعير ما يحصل داخل الأنفاق الإهتمام الملائم وهمها الوحيد كان جباية الضرائب على واردات الإنفاق فقط.
    
اما الاتهام المصري بان "حماس" تزود الإرهابيين بسيناء بالاسلحة والذخيرة والعداد فهو اتهام باطل.. حتى ولو ناورت القيادة السياسية لـ"حماس" احيانا بولاءاتها وتحالفاتها فان هذا لم يلقي بظله يوماً على نقاوة ونزاهة القيادة العسكرية لـ"حماس" وتاريخ نضال هذا الجهاز يشهد على هذا.. بغض النظر عن موافقتنا لمسارها النضالي وآلياته أم لا.. و"حماس" تدرك ايضاً ان ثباتها بالسلطة وحماية حكمها مرتبط برضاء أهل قطاع غزة عن ادائها السياسي والعسكري والاقتصادي وتدرك ايضاً ان هذا الرضا مرتبط بمعبر رفح مباشرة.. "حماس" ليست بالحركة المتهورة التي تجازف بسخط الناس عليها باغلاق المعبر وتحميلها مسؤولية هذا الاغلاق..!
 
 الاتهامات لم تعد تنحصر بـ"حماس" وأبناءها بل أصبحت موجهة الى كل أبناء الشعب الفلسطيني وتكوي بنارها الكل دون تفرقة..!

اذا ما الهدف من ترويج هذه الإشاعات والاتهامات التي نشرتها الحكومة المصرية وتتداولها وسائل الاعلام وأصبحت الحديث اليومي بعد كل عملية ارهابية على صفحات التواصل الإجماعي ويتم تداولها فِي واقع الحال، كما عايشته بنفسي قبل ايّام في سيناء؟

اولا: الارهاب المتأسلم لم يبدأ بظهور "القاعدة" في أفغانستان وأعمالها الارهابية بالولايات المتحدة الامريكية وايضاً لم ينتشر فقط بظهور "داعش" و"جبهة النصرة" وأمثالهما من حركات التكفير الإرهابي… الارهاب من جذور اسلامية بدأ في مصر ووصل أوجه باغتيال الرئيس أنور السادات. آنذاك كانت بمصر اثنى عشر حركة سلفية مصرية متطرفة تدعوا علناً للجهاد.

ثانياً: الارض الخصبة التي نبت منها الارهاب المتأسلم تم تحضيرها والعناية بها في مصر.. حركة الاخوان المسلمون هي الإطار الذي خرجت منه معظم الحركات التكفيرية بالعالم من "القاعدة" و"داعش" بالشرق الى "بوكو حرام" و"حركة الشباب" بافريقيا الى "ابو سياف" في شرق آسيا والبؤر الإرهابية بأوروبا وأمريكا.. الكل تربى وترعرع على فكر الاخوان وفقه الأزهر وشيوخه التي فُتِحَت لها أبواب التواصل ونشر فكرها الجهادي التكفيري على مصراعيها من تلفزيون وأذاعه وانترنت وجوامع وجمعيات ومؤسسات، بمساعدة كل هذا وتحت عيون الأجهزة الأمنية المصرية تم نشر فكرهم السام في صفوف الامة الاسلامية.

ثالثا: الأزهر الذي دعمته وتدعمه الحكومات المصرية منذ عشرات السنين بمبالغ كبيرة يدرس بمناهجه القتل ويدعو لملاحقة تارك الصلاة وقتل الكفار من أبناء الديانات الاخرى وحرق كنائسهم ومعابدهم وسبي فتياتهم ويدعو علنا للعنف الجسدي والاغتصاب وينشر فكر ابو تيمية التكفيري واحاديث البخاري ومسلم الباطلة والمسيئة للرسول الأعظم والدين الحنيف، دون قيد أو شرط..

شيوخ الأزهر من اطلق اسم "مجاهدين" على "الطالبان" في أفغانستان، واسم "الدولة الاسلامية" على إمارة الارهاب الداعشية والمتابع لمنشورات المستشار احمد عبده ماهر حول مناهج الأزهر يكتشف مدى انخراط هذه المؤسسة، التي تحظى برعاية ودعم الحكومة المصرية، في مجال الارهاب والترويج للفكر الارهابي.
 
رابعاً: الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمصريين القاطنين بسيناء مزري جداً ويدفعهم بقوة الى احضان الارهاب المتأسلم، اما كمنخرطين به أو كداعمين وحاضنين له باحتواء الإرهابيين وتقديم خدمات لوجيستية لهم في تضاريس سيناء المعقدة.. هذه الحقيقة تدركها الحكومة المصرية وتعرف ان ضبط الأمن بسيناء يتطلب قبل كل شيء تطوير الوضع الاقتصادي للسكان هناك وتوفير أماكن عمل لهم وتدرك ايضاً ان ضبط الأمن لن يتم بنشر قوات من الجيش المصري والاجهزة الامنية في مواقع محددة فقط.

خامساً: الحكومة المصرية ما زالت تتكتم عن عدد المصريين المنخرطين بالجماعات الإرهابية بالداخل والخارج رغم ان المعلومات الصادرة عن الأجهزة الأمنية السورية تتكلم عن الآلاف الذين جاءوا الى سوريا وانخرطوا في صفوف "داعش" و"جبهة النصرة".. ومن الطبيعي جدا، بعد الانهزامات التي ألحقها الجيش السوري وحلفاءه بالجماعات الإرهابية، ان تهرب عناصر هذه المجموعات وتحاول ان تختبىء في بيئة تحتضنها ولا تثير داخلها الشبهة.. وسيناء بتضاريسها ومساحاتها الشاسعة وقلة عدد سكانها تلبي كل الشروط والمستلزمات للهاربين من الارهابيين.

مما ذكرناه أعلاه نستقرئ ان الاتهامات التي قامت حكومة الرئيس السيسي بنشرها وتبنتها وسائل الاعلام هي بأغلبها اتهامات باطلة هدفها الأساسي التغطية على التقاعس في مواجهة الحركات الإرهابية بمصر وعدم الرغبة لأسباب تكتيكية ضيقة من محاربة جذور هذا الارهاب ومنابعه الفكرية.

وضع الفلسطيني في قفص الاتهام هو خدمة مجانية للاحتلال وإرهابه اليومي في فلسطين المحتلة.. والتفرقه العشوائية التي تقوم بها الأجهزة الامنية المصرية بين فلسطيني من الداخل وبين فلسطيني من الضفة الغربية وبين أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة هي بحد ذاتها افتراء وتصب في ذات الهدف الذي تعمل عليه حكومات الاحتلال منذ قيام دولة الاحتلال.. الحكومة المصرية واجهزتها الامنية تعرف تماماً ان شعب مصر وشعب فلسطين اخوة في الدم والمصير وأمن مصر من أمن غزة وفلسطين والعكس صحيح.

مواجهة الارهاب المتأسلم في شمال سيناء مهمة الأجهزة الأمنية المصرية والفلسطينية وفقط بالتعاون بين الإخوة على قاعدة احترام خصوصية كل طرف وأمنه القومي تتم هذه الخطوة بنجاح.

* محلل سياسي، رئيس الجالية الفلسطينية في المانيا. - raif@raif-hussein.de