2017-11-28

تقسيم وتدويل أم دولة ثنائية القومية؟!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

في التاسع والعشرين من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها الظالم بتقسيم  إقليم فلسطين بين العرب واليهود بأغلبية 33 دولة ضد 13 دولة، وامتنعت عشر دول عن التصويت. ورافق ذلك القرار الذي أفرد 56% من الأرض الفلسطينية للدولة اليهودية، وأبقى 43% منها للدولة العربية الفلسطينية، قرارا آخر بتدويل منطقة القدس وخصص لها مساحة واحد بالمائة من مساحة فلسطين.

تخيلوا، قبل سبعين عاما من هذا اليوم حدث هذا الحدث فالزمن يطير طيرانا، فقد قامت هيئة من هيئات الأمم المتحدة التي أنشئت عام 1945، والتي تسمى الجمعية العامة والتي تصدر توصيات غيرملزمة، والتي نحج إليها يوميا في نسكنا ونخطب فيها خطبة سنوية عصماء، بإصدارقرار كارثي مجحف وغير عادل تجاه الفلسطينيين وخارج عن صلاحياتها وأهدافها ومقاصدها، ومناقض لصك الإنتداب ذاته، ومدمر لحقوق الإنسان الفلسطيني، ومخالف لللمبادئ الديمقراطية، وحق تقرير المصير للفلسطينيين، ونهج العدالة، ومبادىء القانون الدولي، ما زالت آثاره الضارة والمدمرة ماثلة على الشعب الفلسطيني. وهذه الجمعية التي للآن لم تقبل عضوية فلسطين وبقيت فلسطين عضوا مراقبا بينما إسرائيل تنعم بعضوية كاملة. وللتذكير قبلها كانت عصبة الأمم، قد ضمنت قرار الإنتداب الأممي وعد بلفور في مادته الثانية، وبذا غدا جزءا لا يتجزامنه. وهذه الهيئة هي التي أفرزت قرار 242 في عام 1967 الهزيل والماكروالذي لا يعترف بالشعب الفلسطيني بناء على توصية من بريطانيا وممثلها الخبيث اللورد كارادون الذي كان حاكما عسكريا لمدينة نابلس في الثلاثينيات. وبالتالي يجب أن نمحو من ذاكرتنا مقولة أن هيئات الأمم المتحدة وعصبة الأمم مناصرة ومؤيدة للقضية الفلسطينية على طول الخط بدون بذل الجهد. بل يقتضي ذلك جهدا مضاعفا.

تخيلوا أن عالما فنيا سويديا أمميا والذي يفترض به الحياد كموفد للأمم المتحدة، ويسمى د. بول مون لعب دورا أكبر من القيادة العربية آنذاك، والوكالة اليهودية ودولا كثيرة عظمى وصغرى في رسم خارطة تقسيم فلسطين النهائية التي أرفقت بقرار التقسيم، ووضع خطوطها. فقد كان هذا المبعوث الأممي في باطنه صهيونيا، ومتعاطفا مع الصهيونية، ومع الناجين من المحرقة، ومتأثرا بمعاناتهم، وكان كارها للبدو، والعرب بشكل عام، ومتأثرا بمحاكمة درايفوس في فرنسا. ووالده كان قسا بروتستانتيا مؤمنا بقيام الدولة العبرية كنبوئة لعودة السيد المسيح. هذا الشخص لوحده هو الذي وضع اللمسات الأخيرة لقرار التقسيم، ووصل الليل بالنهار حيث قرربشكل منحاز وفاضح للرؤية الصهيونية، مستقبل ومصير مئات القرى وعشرات والمدن الفلسطينية. ولكن لم يتصل به أحد ولم يكشف سره أحد ولم يؤثر العرب العربة عليه ولم تحاول . وفي هذا الصدد يجب أن نشير أن الخرائط الكاملة والموثقة والمعتمدة لفلسطين التاريخية، موجودة في قرار التقسيم وهي في أرشيف الأمم المتحدة وليس في عام 1967 أو عام 1956.

ليعلم الجميع أن هذه الدولة الماكرة الداهية والتي تسمى بريطانيا هي التي احالت قضية فلسطين إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي التي قدمت مشروع تقسيم فلسطين للجمعية العامة، ولكنها في نفس الوقت مبالغة في مكرها ودهائها وخبثها، امتنعت عن التصويت وكأنها دولة محايدة، حينما قدم مشروع القرار للتصويت عليه في الجمعية العامة. أي بؤس ودهاء ومكر أكبر من ذلك؟ لكنها بريطانيا التي غربت شمسها، وأفل نجمها، وقسمت العالم وشردت آلاف العائلات وثكلت مثلهم، هي التي ما زلنا نستقبل موفديها ونرحب بدبلوماسييها ومبعوثيها وننثر الورد ونفرش السجاد الأحمر لمليكتها وننسى أياديها الملطخة بدماء ابنائنا.

أكملت إسرائيل المشوار فاستولت عسكريا عبر الغزو، على أكثر من ثمانين بالمائة من الأرض الفلسطينية في عامي 1948 و1949 بعد قرار التقسيم. واحتلت بعد عام 1967 كامل التراب الفلسطيني بما فيها القدس العربية وكانت قد احتلت القدس الغربية سابقا وما زالت. وغدا قرار تدويل المدينة المقدسة أثرا بعد عين، وبخاصة بعد إقامة المستوطنات والتي تشكل جريمة حرب في جميع انحاء المدينة المقدسة شرقا وغربا.

والآن بعد سبعة عقود على قراري التقسيم، وخمسة عقود ونيف على احتلال عام 1967 يثور السؤال الملح المستمر منذ عشرات السنين: ما العمل وكيف؟ وكاننا الوحيدون في هذا العالم الذي نعاني فيه من العسف والظلم والقهر والطغيان وننسى تجارب الشعوب الأخرى ونضالاتها ومقاومتها.

منذ ان قرر أنور السادات بعد حرب رمضان في عام 1973، بأن اكثر من 99% من ألأوراق لحل أزمة الشرق الأوسط هي في يد أمريكا، والأمور تراوح في هذا الإطار، لكن دون جدوى أو ثمار تذكر. ونسي العرب والفلسطينيون الإستراتيجية التي اتبعها المرحوم جمال عبد الناصر عشية حرب حزيران من عام 1967. فعلى الرغم من هزيمته بدأ عبد الناصر من اليوم الأول التالي للهزيمة ببناء جيش حديث مقاتل ورفع شعار ما أخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة. وهكذا كانت معاركه في رأس العش وإغراق المدمرة الإسرائيلية "إيلات" ومعارك الإستنزاف وبناء حائط الصواريخ وبقي كذلك إلى أن استشهد في ساحة الوغى. وكان يقاتل ويفاوض تماما كالفيتناميين في باريس ولم يسلم سلاحه طمعا في حل سياسي أو أملا فيه اعتمادا على أحد.

الأمريكيون على مر السنين يديرون الأزمة ولا يبادرون لحلها، وهذا ما أثبتته الأيام وقررته الحوادث المتعاقبة. وحتى لو قرر الأمريكيون عمل شيء ما نتيجة سخونته أو حدته، فإنهم يتبنون نهجهم البراغماتي أي النهج العملي الجزئي. ولكنهم لا يمكن أن يبادروا لحل شامل ينهي الصراع ويقضي على أسبابه بل العكس هو الصحيح. ولو تم استعراض جميع الخطوات السياسية من أيام ترومان وقبله روزفلت إلى يومنا هذا عبر ترامب ومن سبقه من الرؤساء ووزراء الخارجية لن نجد إلا حلولا جزئية مبتورة حتى تبقى اليد الأمريكية هي اليد العليا. ولعل في القضية الفلسطينية في آخر ربع قرن ما يؤكد هذا التوجه الأمريكي.

وما تتداوله الأنباء والتصريحات حول صفقة القرن، وما يتم على أرض الواقع من استعمار استيطاني في الضفة الغربية، وما يتم من علاقات خفية وعلنية بين إسرائيل وأنظمة عربية، لا يترك مجالا لدولة فلسطينية في حدود عام  1967كما تدعو السلطة الفلسطينية ليل نهار، ولا في حدود قرار التقسيم لعام 1947 كما يقرر القانون الدولي العام وفقهاؤه، ولا في حدود فلسطين التاريخية في دولة ثنائية القومية كما تقرر العدالة والواقع وحل المشكلة من جذورها، ولا حتى في إطار حكم ذاتي كامل. وغدا الواقع أليما كئيبا حزينا يرافقه مظاهرات الفرح الزائف بكرة قدم وقراءة ومسابقة هنا وهناك، وكان الوطن يتحرر بهذا الكلام الإلهائي.

حتى لا تغدو ايامنا ذكرى حزينة وأليمة مثل قرار التقسيم والتدويل، يجب ان نعتمد استراتيجية جديدة بعد أن فشلت استراتيجيتنا القديمة وأثبتت عقمها بعد تجربة عملية طالت. يجب أن نعتمد على الذات الفلسطينية ومحاربة الفساد بكل اشكاله ورفض التفريط بالحقوق الفلسطينية حتى لوكان التهديد كبيرا وشديدا، فبدون الفلسطينيين لن تقوم قائمة للحل مهما كان ولا يهم من يشارك فيه كبيرا أو صغيرا، فالمكاسب غير المشروعة لا تثمر ابدا..!

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com