2017-11-28

الخروج من دائرة الجدل والتشكيك..!


بقلم: د. هاني العقاد

منذ ان وقعت "فتح" و"حماس" في القاهرة الاتفاق النهائي على البدء بتنفيذ خطوات المصالحة الفلسطينية واستعادة الوحدة الوطنية ارتفعت درجة الامل الحذر بتحقيقها، جاءت الحكومة الى غزة في 30 اكتوبر وتسلمت الوزارات ومن ثم المعابر في  الاول من نوفمبر حسب الجداول الزمنية التي اتفق عليها الطرفان، عندها بدأ يساور البعض الكثير من الشكوك بإمكانية استمرار مسيرة المصالحة دون عوائق او معيقات. وعقدت الفصائل اجتماعها المجدول في الموعد المتفق عليه لتقيم ما تم انجازه من المصالحة حتى هذه المرحلة، وكنا نخشي ان يشكل هذا الاجتماع فرصة لتخريب المصالحة وليس العكس خشية من بحث الفصائل عن الصالح الحزبي الخاص، وخرجت الفصائل في القاهرة ببيان غلبت عليه اللغة الانشائية اكثر من لغة الجداول والاجراءات، انتقده البعض ووافق عليه البعض الآخر.. وهذا ليس مهما كثيرا، فاعتقد ان البيانات الختامية كلها لا تعكس مدى نجاح اي لقاءات وما يعكسه في الحقيقة مدي تمسك الجميع بالمصالحة الفلسطينية كخيار استراتيجي وحيد لا يوجد غيره امام النخب والفصائل السياسية وعلى مستوى الشارع الفلسطيني.

وبدأت تخرج تصريحات غير ايجابية من هنا او هناك وبدأت بعض التفسيرات لمفردات المصالحة تظهر بطريقة مشينة. فالبعض انتقد ما اطلقت عليه فتح "التمكين" والبعض اراد ان يزج بملف سلاح المقاومة كملف يقطع طريق المصالحة ويعيد عربتها للوراء بالرغم من ان هذا الملف لم يكن قد طرح على الطاولة، ولم يذكره احد حسب المصادر المختلفة لكن اراد البعض ان يطرحه.. "فتح" كانت قد اعلنت قبل ذلك ان سلاح المقاومة يخضع لاتفاق قرار السلم والحرب وهو شأن كل الفلسطينيين وليس بيد طرف او فصيل معين. اعتقد ان هذا جاء لحسابات معينة لا تبتعد كثيرا عن استغلال هذا الاجتماع الهام لتعكير الاجواء واعادة الطرفين الى حالة من فقدان الثقة، لا اعتقد ان أي تفسيرات مناهضة لتمكين الحكومة يمكن ان يؤسس لطريق سالك امام قطار المصالحة ويفضي الى الايجابية  المطلوبة لخدمة حالة الوحدة الوطنية. كما لا اعتقد ان زيادة الحديث عن ملف سلاح المقاومة قد يسمح بسير المصالحة والتقدم في مراحلها بالإضافة لفتح عيون امريكا واسرائيل علينا واسعة والامعان في الابتزاز والحصار. لعل زيادة التفسيرات ودرجة التوقعات ومستوى الحسابات لكل مرحلة من مراحل المصالحة ومحاولات القفز من خطوة الى اخرى قبل ان تكتمل الخطوة السابقة من شأنه ان يخلق جملة من المشاكل والمعيقات. كنت اتمنى ان يتفق كل الاطراف على تحديد الاولويات التي تهم الشارع الفلسطيني وتحل ازماتهم ، عندها سيصل الجميع الى ان تسلم الحكومة كامل مسؤولياتها الخطوة الاولى لتحقيق ذلك.

لعل تركيز المستوى الرسمي والنخب السياسية والفصائلية والمستقلة في هذه الفترة الحساسة يجب  ان ينصب على اهمية ان تتمكن حكومة الوفاق الوطني من بسط سيادتها على قطاع غزة، وتتمكن من قراراها دون وصاية حزبية او تدخل وتحقق الشراكة الوطنية في ادارة كافة المؤسسات الحكومية من وزارات وهيئات وأمن ومعابر، وهذا يعني ان الجميع يجب ان يصغي لمتطلبات الحالة وعلى الجميع ان يستفيدوا من الدور الهام  للخبراء المصرين المتمثل في وجود وفد امنى وسياسي عالي المستوى الذي سارع الى غزة لمتابعة ومراقبة كل خطوات التمكين الحقيقي لوضع الجميع امام استحقاقات متقدمة للوحدة الوطنية بثقة عالية في نوايا الجميع ودون تشكيك وتفسير غرضي لا يصب في المصحة الوطنية.

ان الحالة الفلسطينية اليوم تمر في مفصل حساس وخطير باعتبار ان وحدة الفلسطينيين الجبهة المتقدمة التي تتصدى لكل المخططات التي تهدف لتصفية الحقوق وفرض حلول لا تحقق للفلسطينيين أي حلم سياسي ولا تساهم في قدرتهم على التحرر وانهاء الاحتلال الاسرائيلي.

الفرصة نادرة ومهمة وقد لا تتكرر ان يستطيع الفلسطينيين الانتباه للمخاطر التي تترصد مستقبلهم السياسي اذا ما استمر الانقسام وهذا في تقديري من اهم عوامل صنع الإرادة  الوطنية التي تحتم التخلي عن البرامج الخاصة والاجندات الحزبية للصالح العام، وما اصبح مهما اليوم بعد انتهاء المرحلة الاولى من مسيرة المصالحة والبدء في مرحلة  التمكين وتعزيز سيادة القانون الواحد والسيادة الادارية والسياسية الواحدة من قبل الحكومة الفلسطينية ان نخرج من دائرة الجدل والتشكيك وان نعزز ثقتنا بالآخر ونعتمده كشريك وليس نداً او خصم ينبغي عزله عن المسار الوطني حتى التحرر من الاحتلال وبناء الدولة.

وللبدء بهذا يتوجب اولا على "حماس" ان توقف حالة المناطحة الاعلامية وتحول الصخب لإيجابي يعمل على دفع المسيرة، ويتوجب على "فتح" ان تسارع لاقناع الرئيس "ابو مازن" المبادرة لوقف كل العقوبات المفروضة على غزة بدءا من الموظفين وانتهاء بالمساواة في التعاملات الادارية والمالية والفنية مع الضفة الغربية باعتبار ان هذا ينعكس ايجابا على عمل الحكومة نفسها ويساهم في تحسين الوضع الانساني في غزة، ويتوجب على الفصائل تعزيز الثقة بين الاطراف جميعا والمساهمة في خلق  حالة ايجابية والبعد عن تشريح السلبيات وتكبيرها واغلاق الطريق امام أي حالة تشكيك في نوايا كل من "فتح" و"حماس" وهذا من شأنه ان يحمي مسيرة المصالحة، ويتوجب عدم البحث عن الذات الفصائلية بقدر تحقيق الذات الوحدوية والوطنية الشاملة وتشكيل حالة للمتابعة والمراقبة والدعم  لمسيرة المصالحة جنبا الى جنب مع الدور المصري كأنموذج للحماية والدعم والرعاية والمتابعة المستمرة.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com