2017-11-27

وهن القوة العالمية..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

النظام الدولي يمر بحالة من عدم اليقين، والغموض في عملية  التحول في بنية القوة والفاعلين الدوليين، والتي باتت لا تخضع لنظريات التفسير الدولية التي إعتدنا على تطبيقها لتفسير حالة التحول من مرحلة إلى أخرى، فلم تعد النظريات الليبرالية ونظريات الواقعية التقليدية وما بعد التقليدية قادرة على تفسير أو التنبوء بعملية التحول في بنية النظام الدولي، وهيكلية القوة الدولية.

فالنظام الدولي مر بمراحل من العلاقات الدولية إتسمت بالثبات والإنتظام والإلتزام بقواعد القوة التي حكمت العلاقات بين الدول. فانتقل النظام الدولي من مرحلة التعددية التي سادت الفترة من ظهور الدولة القومية في القرن السادس عشر، وتركزت العلاقات في الدول الأوروبية بإعتبارها الفاعل الرئيس المتحكم في العلاقات الدولية على إعتبار ان العلاقات الدولية علاقات أوروبية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية والتي تراجعت فيها قوة أوروبا لتبرز قوة الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي كقوتين وحيدتين متحكمتان في القرار الدولي، وليسود نظام القطبية الثنائية الجامدة ولتتطور بعدها للثنائية المرنة. واستمرت هذه المرحلة حتى التسعينات من القرن العشرين في اعقاب سقوط الإتحاد السوفيتي وتراجع القوة الروسية، وليسود ولفترة وجيزة نظام القوة الأحادية الذي سيطرت فيه الولايات المتحدة على قمة هيكلية القرار الدولي. لكن سرعان ما دخلت العلاقات الدولية مرحلة جديدة من الضبابية، وعدم اليقين، والتطورات في بنية النظام الدولي ببروز الكثير من الفواعل من غير ذات الدول، كالحركات الإسلامية بكل تشكيلاتها، والحركات الشعبوية والإنفصالية في أكثر من دولة أوروبية.

وأدى التطور في وسائل التواصل الإجتماعي، والثورة المعلوماتية والرقمية الى إنتشار غير مسبوق في هيكلية القوة، لدرجة لم تعد الدولة القومية هي الفاعل الرئيس المتحكم في القرار الدولي، وزيادة دور الفواعل من غير الدول، وتأثيرها في توجهات القرار الدولي. ولم يقتصر التغير في بنية العلاقات الدولية على تعدد الفواعل الدولية، وتنوعها، بل التنوع وتباين الأولويات في القضايا الدولية، وبروز قضايا باتت تشكل محورا في كل التفاعلات الدولية كقضايا الإرهاب والعنف الذي لم يعد قاصرا على دولة دون الأخرى، ولم تعد الحدود القومية قادرة على توفير الحماية الذاتية.

ولعل من أبرز التغيرات في بنية النظام الدولي بداية ظهور الشعبوية الجديدة، وهي صورة قديمة جديدة لعودة الروح القومية في العلاقات بين الدول، كما نرى في شعار امريكا أولا، وملاحظة ان مفهوم السيادة قد ورد22 مرة في خطاب الرئيس الأمريكي ترامب في الأمم المتحدة، وخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، وبروز التيارات الإنفصالية فى كتالونيا، وقد تتنامى هذه الظاهرة في المستقبل لتزيد من تعقيد العلاقات بين الدول. ويلاحظ من التحولات الهامة التراجع في القضايا ذات الإهتمام العالمي كقضايا المناخ وإنسحاب الولايات المتحده من إتفاقية المناخ، وإنسحابها من منظمة اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان، والتهديد باستمرار في وقف تقديم الدعم المالي للأمم المتحدة مما قد يؤثر على فعالية ودور الأمم المتحدة كمنظمة جامعة للدول، وكإطار لتحقيق درجة من التكامل الدولي، مما قد ينعكس على فعالية وقوة الشرعية الدولية.

ومن مظاهر التحول والتي إنعكست على وهن القوة احادية القوة التي أحتكرتها الولايات المتحدة، وقبلها ثنائية القوة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي وبروز العديد من القوى الصاعدة في آسيا، وغيرها، كالهند وإيران وكوريا الشمالية، وقوة الصين عابرة الحدود، وهو ما أدى إلى تراجع القوة العسكرية الأمريكية والروسية اليوم. وإنتشار واسع للقوة في يد كل الصاعدين الدوليين وهذا الإنتشار أدى لزيادة الرغبة في توسيع مجالات النفوذ للدول الصاعدة، مما أوجد معه الصراع والتنافس في السيطرة على المناطق الإستراتيجية في العالم. وصاحب هذا التطور زيادة دور الفواعل من غير ذات الدول التي باتت تقوم بدور الحرب بالوكالة بالنيابة عن دول القوة الصاعدة الجديدة.

ولم يقتصر التحول في هيكلية القوة على القوة الصلبة، بل زادت اهمية القوة الناعمة مع تراجع دور القوة الصلبة والتي كانت تحتكرها القوى الكبرى، وهو ما أدى إلى زيادة دور وتأثير القوى والدول الصغيرة، والذي معه لم تعد التصنيفات التقليدية للدول على أساس معيار القوة صالحة. فقد نجد اليوم دولا صغرى بمكا تملكه من عناصر القوة الناعمة لها تأثير في القرار الإقليمي والدولي لا يقل أهمية عن قرار القوى الكبرى، وهذا التحول إنعكس على شكل التحالفات الدولية والإقليمية بشكل كبير لم تصلح معه قواعد ومبادئ التحالفات التقليدية.

وتبقى عملية التحول في بنية النظام الدولي تتسم بالضبابية والسيولة وعدم اليقين لسرعة التحولات، وعنصر المفاجأة ـ ومع ذلك تبدو في الأفق بعضا من التغيرات مثل التحولات الفكرية المصاحبة لثورة العولمة والثورة الصناعية الكبرى، ومع ذلك ما زالت بعض الثوابت قائمة ولو لفترة غير قليلة كسيطرة وهيمنة الولايات المتحده كقوة احادية، ووقوف كثير من التحولات الدولية على الدور الأمريكي، وهذا قد يكون من أكثر الثوابت في عملية التحول في بنية القوة. وتستوجب هذه التحولات على المستوى العربي قراءة دورة القوة، وتفعيل عناصر القوة الممكنة والمتاحة ـ وتطوير مفهوم القوة الشاملة حتى تأخذ مكانتها في خارطة العلاقات الدولية المستقبلية.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com