2017-11-23

لماذا يضيعون فرصة غزة؟


بقلم: د. أحمد جميل عزم

أن تمضي أشهر على مصالحة فلسطينية بوساطة مصرية، ولا يحدث فرق في حياة المواطنين في قطاع غزة، فإنّ هذا مضر لا بالمشروع الوطني الفلسطيني وحسب، بل بالفصائل التي أبرمت الاتفاق، وأن لا يتحسن حتى فتح معبر رفح، فهذا يعني أنّه لم يتغير شيء سوى المسؤول عن الكارثة في قطاع غزة. وإذا كان قد جرى تحميل حركة "حماس" مسؤولية التعثر في قطاع غزة طويلاً، وقررت قيادة الحركة التخلص من أعباء الحكم هناك، فإنّ "فتح" تغامر في أن توصف بأنها فشلت بما فشلت به "حماس".

لقد كان متوقعاً أن يشهد منتصف هذا الشهر "15 تشرين الثاني (نوفمبر)" بداية تفكك الإغلاق في قطاع غزة، بفتح معبر رفح، ولكن ما حدث هو فتح محدود كالذي كان يحدث في فترات متفاوتة متفرقة في الماضي، أثناء حكم "حماس"، والأهم من عدم فتح المعبر، أنّه لا يوجد توضيح سواء من قبل السلطة الفلسطينية، أو مصر، بشأن الأسباب التي تؤدي لاستمرار الإغلاق. فربما كان الجمهور سيتفهم الموقف نسبياً لو كان بين يديه خريطة طريق لمتى وكيف سيتغير وضعه، سواء بالنسبة للمعابر أو سوى ذلك.

من المفهوم أن تطالب الحكومة الفلسطينية بالتمكين التام لمقاليد تسيير الأمور في غزة، حتى تقوم بواجباتها، ولكن هذا يحتاج لتصور وخطة عمل واضحتين.

إذا نجحت الحكومة الفلسطينية الحالية، بإدارة الأمور وتحسين الوضع في قطاع غزة، فسيعطي هذا دافعا كبيرا، لتطوير مسيرة العمل المشترك، بين حركتي "فتح" و"حماس" وباقي الفصائل، وبينما سيكون نجاح تام لحركة "فتح" على الصعيد الداخلي باعتبارها مَنْ ساعد على تحسين الأوضاع، سيكون نجاحاً مهماً لحركة "حماس" على الصعيد الإقليمي، باعتبارها قادرة على أن تكون جزءا من نظام سياسي موحد، وقادرة على طرح حلول لمجموعة مهمة من التحديات والأسئلة التي تواجه الفلسطينيين، من ضمنها العلاقة بين سلاح المقاومة وبناء الدولة أو السلطة.

والنجاح في غزة، والخروج من مأزقها الحالي، عدا أهميته لتمتين صمود الغزيين وبقائهم في وطنهم، وعدا أهميته الإنسانية، سيقدم رسالة للعالم أن الفلسطينيين لديهم القدرة على بناء وطن مستقل، وبناء دولة، وسيصبح الحديث متى سيتكرر نجاح غزة في الضفة الغربية، أما الفشل فسيمنح الإسرائيليين ورقة ليزعموا أنّ أي انسحاب من الضفة الغربية سيؤدي لفشل وتخبط كالذي يحدث في غزة، خاصةً أن الأطراف المعنية، وخصوصاً السلطة الفلسطينية ومصر، لا تقدمان أسباباً واضحة لتعثر ملفات مثل معبر رفح، ولا يتم مثلا الحديث عن عراقيل إسرائيلية أو سوى ذلك.
 
ربما يكون صحيحاً أن عدم تحقيق انفراج جزئي في أزمة ما هو أمر مقبول وسليم من أجل ألا يؤدي هذا الانفراج الجزئي لتخفيف الضغط الذي يؤدي للانفراج الكبير أو الكلي، ولكن هذا صحيح شريطة أن لا يستمر طويلا، فمن المفهوم اشتراط التمكين الكامل للحكومة، وترتيب ملفات أمنية، قبل الانفراج الكامل، ولكن استمرار الوضع لوقت طويل يعتبر أمراً مدمراً.

بعد حالة التفاؤل التي عاشها الفلسطينيون، وخصوصاً أهالي غزة، في الأسابيع الفائتة، بدأ يتشكل شعور أنّ أي تغيير فعلي ملموس في واقع الحياة أمر لن يكون قريباً، وهذا لا يؤدي لإحباط مجتمعي، وإلى شعور بأنّ سائر الأطراف الفلسطينية، تفشل في تحقيق شيء يخفف الضغط عنها، ويوجه الضغط على الجانب الإسرائيلي، وحسب، بل ويقوي احتمالات تعثر المسار الحالي، وانتصار الأصوات التي لا تريد المصالحة في الجانبين، وباحتمال تفجر مجمل عملية المصالحة.

إذا لم يعقب لقاءات القاهرة الراهنة تغير فعلي في مسار الحياة اليومية في غزة، ولم يجرِ وضع خطة طريق معلنة لتطبيع الوضع في قطاع غزة، فإنّ ذلك سيعدّ نكسة واضحة. فيمكن لخريطة إصلاح النظام السياسي، من انتخابات ومجلس وطني فلسطيني، أن تتأخر قليلاً، ولكن معالجة الوضع المعيشي قد ينذر بعواقب تجعل الحديث عن إصلاح النظام السياسي مجرد ترف.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com