2017-11-21

فتيان السياسة..!


بقلم: عمر حلمي الغول

السياسة فن يحتاج إلى علم وخبرة وبراعة ودهاء في إدارة شؤونها وملفاتها على المستويات كافة. ولا يمكن لإي إنسان إحتل موقعا ويملك مالا وسلطانا أن يجيد فن السياسة، إن أخضعها لحساباته الشخصية، وتجاهل محدداتها ومرتكزاتها والشروط الموضوعية والذاتية المحيطة بها. وبالتالي لا يكفي هذا المسؤول أو ذاك أنه تبوأ موقعا مقررا في بلده، لإن هذا العامل على اهميته لا يفي ببلوغ ما يصبو إليه. بالتأكيد هذا يسهل عليه الإنخراط في لعب دور هام في التقرير بشؤون العباد داخل بلده وفي ميادين السياسة على المستويين الإقليمي والدولي، غير أنه يسقط في الإختبارات المختلفة نتيجة سوء التقدير نتاج عدم الخبرة، وغياب الفطنة والدهاء، مما يؤدي لإنتكاسات وفشل جلي على أكثر من مستوى وصعيد.

وتزداد تعقيدات العملية السياسية عندما يتبوأ شباب غير مؤهل لإدارة شؤون بلادهم، ويقرروا في مصير العلاقة بين بلدانهم ودول الجوار الإقليمي، رغم وجود مستشارين في المجالات المختلفة، إلآ أن دورهم سيبقى دون تأثير جدي، لإكثر من سبب، منها: اولا الجنوح الذاتي نحو شخصنة العملية السياسية؛ ثانيا غياب ضوابط ناظمة تحكم المغالاة او التبسيط في هذة المسألة او تلك؛ ثالثا إنتفاء دور الدولة العميقة وخاصة في دول العالم الثالث، التي تلزم هذا المسؤول او ذاك لضوابطها الإستراتيجية؛ رابعا الإعتقاد لدى الشباب الممسك بزمام الأمور، بأنه يستطيع ان يشتري مواقف الدول بالمال والنفوذ الذي يحظى به؛ خامسا في حال وجود صراعات قومية او دينية يعتمد اولئك على الحلفاء لا على القدرات والإمكانيات الذاتية، إنما يتم الإعتماد على دول إقليمية او دولية مقابل دفع فاتورة الحروب، التي ينخرطوا بها.

هذة العوامل مع نقص المناعة السياسية، والجهل بدروبها، وغياب الفطنة والبراعة والدهاء يوقع فتيان السياسة في مزالق خطيرة تهدد بلدانهم وحلفائهم على حد سواء. فضلا عن أن بعض الحلفاء من الأقطاب الدولية ذات النفوذ السياسي والعسكري والإقتصادي، قد يستخدموا أدواتهم وخبرتهم العالية في إستنزاف طاقات وإمكانات حليفهم الشاب، بالإضافة لإبتزازه وإخضاعه لمشيئة توجهاتهم ومصالحهم الإستراتيجية في الدول التي يقودنها والإقليم على حد سواء. خاصة وأن تلك الأقطاب تصبح الملاذ والحضن الذي يلجأ إليه هذا الشاب او ذاك. وبالتالي يضع الشباب بيضهم كله في سلة الحلفاء الدوليين او الإقليميين، بحيث يصبحوا هم المقررين في الشؤون الداخلية والخارجية، وعندئذ تتلاشى قدرة المسؤولون الشباب على التقرير في مستقل شؤون بلادهم والصراعات المحيطة بهم.

ولا يقتصر بؤس السياسة في اوساط الشباب عند حدود بلدانهم التي يديرونها، إنما تتفاقم العملية مع إتساع دائرة النفوذ في الأوساط القومية، حيث تملي عليهم إرتباطاتهم وتبعيتهم لإملاءات الحلفاء على التدخل غير الإيجابي لصالحهم في التقرير بمصير شعوب ودول أخرى من ذات القومية او في مستقبل العلاقة مع دول الجوار، الأمر الذي يعمق سقوطهم وفشلهم في إدارة العملية السياسية على أكثر من مستوى وصعيد، ويخلق عداوات من نوع آخر نتاج الضعف وعدم الخبرة وإستسهال تقديم التنازلات على حساب الآخرين دون اي وازع سياسي او قانوني أو أخلاقي.

وهنا المرء لا يعمم سوء الظن بكفاءة الشباب جميعا. لاسيما وأن هناك شباب نجحوا في إدارة شؤون بلادهم نتاج إمتلاكهم لمواصفات القيادة الناجحة، وإعتمدوا على مستشارين ذي كفاءة عالية، إستمعوا إليهم، وأصغوا جيدا لنصائحهم، وأدركوا موقعهم في ملاعب الكبار، فلم يغالوا، ولم يستهينوا بخصومهم وأعدائهم، وحرصوا على وضع سياسيات عقلانية، ونسجوا تحالفات إقليمية ودولية وفق معايير المصالح المشتركة معها ساهمت في تجاوزهم للإخطار المحيطة بهم، وخرجوا بإقل الخسائر منها.

النتيجة المنطقية لما تقدم، على فتيان السياسة أن يعدو للألف قبل الإقدام على اية خطوة في الشأن الداخلي او الخارجي، ليتفادوا دفع الثمن مرتين او أكثر من رصيدهم ومن رصيد بلادهم. لاسيما وان المال والنفوذ على أهميتهما، لا يشكلا عصب السياسة الناجحة، انما هي أدوات مساعدة ومكملة للكاريزما وفن إدارة الصراعات في مختلف الميادين. وليتذكر الفتيان جيدا عدم التنطح للقضايا والمسائل التي تتعلق بمصير ومستقبل الشعوب الشقيقة او المجاورة لهم قبل الوقوف على نبضهم وقرارهم، وقبل التعمق في ما يجوز وما لا يجوز التفريط او التنازل عنه بإسم الآخرين.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com