2017-11-19

إحتمالات الحرب في المنطقة..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

هل يمكن وصف المنطقة العربية بمنطقة حروب؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، وهي فعلا كذلك، فما هي أسباب هذه الحروب؟ ومن يقف خلفها؟ وما دورالدول العربية في هذه الحروب التي تعتبر أراضيها مسرحا لها؟ والسؤال الأهم ما هي تداعيات هذه الحروب؟ وهل نشهد حربا أخيرة قريبا؟

تاريخيا المنطقة كانت منطقة حرب بكل مستوياتها الإقليمية والكونية، لدرجة لا نبالغ فيها إذا قلنا ان الحربين العالميتين الأولى والثانية لم تكن المنطقة بعيدة عنهما، وان تداعياتهما قد إنعكست بشكل مباشر على المنطقة بدءا بالحرب الأولى التي كانت بداية لتقسيم المنطقة إلى دول قطرية غير قابلة للإندماج والتطور، وبقيت تحمل في قلبها بذور الصراع والعداء.

ولعل الأسباب التي تفسر لنا هذه الظاهرة الخطيرة، انها مرتبطة بأسباب كثيرة أولها الأهمية الإستراتيجية والإقتصادية للمنطقة، فأقل ما يقال انها منطقة قوة تسعى لها كل الدول الإقليمية والدولية، فالمنطقة منطقة إستهداف وتغلغل لمصالح دول القوة التي تدرك ان احد مفاتيح القوة الرئيسة هي بالسيطرة والإستحواذ على مقدرات المنطقة.

والسبب الثاني وجود إسرائيل في قلب المنطقة العربية والتي أقيمت بفعل القوة، واحد اهدافها هو الحفاظ على تفوقها وقوتها على بقية دول المنطقة.

واما السبب الثالث، وقد يكون الأهم، ضعف المنظومة العربية الواحدة القوية وغياب دور الدولة المحورية، والعمل الدؤوب من قبل الدول الإقليمية والدولية على إجهاض قوة هذه الدولة كما ترى بالنسبة لمصر والسعودية..

ويمكن ان نضيف سببا آخر وهي حالة الصراع والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية كإيران وتركيا وأثيوبيا وإسرائيل على المستوى الإقليمي، والصراع بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي أولا والآن مع روسيا، هذه القوى كلها لها أهدافها ومصالحها الإستراتيجية، والمنطقة بكاملها كانت هدفا لسياساتها.

وبسبب هذا التنافس شهدت المنطقة العديد من الحروب الكبرى والحروب الصغرى، أذكر منها حرب 1948 وحرب 1973، وهما حربان رئيستان أخذتا طابعا عربيا، وحروب إسرائيل مع لبنان، وحروبها الثلاثة مع حركة "حماس" في غزة. وهناك حروب بالوكالة تقوم بها فواعل  من غير ذات الدول كحزب الله في سوريا ولبنان، والحركات الإسلامية المتشددة كـ"داعش" في سوريا والعراق وليبيا. والخطورة في هذه الحروب إنغماس بعض الدول العربية فيها، ولعلي اذكر بأخطرها على الأمن القومي العربي غزو او حرب العراق على الكويت، وقبلها حرب إيران والعراق. وشكلت الأولى ضربة قويه لمفهوم الأمن القومي العربي، ومن وقتها نلاحظ غلبة الأمن القطري على الأمن القومي العربي، وهو ما يفسر لنا التراجع في القضية الفلسطينية كقضية قومية عربية.

واليوم وبعد موجة التحولات العربية والتي كان مخططا لها، نجد تزايد إحتمالات الحروب والصراعات التي تشهدها المنطقة، لدرجة لم تبقى دولة عربية بعيدة عن هذه الصراعات. والأمثلة كثيرة في ليبيا واليمن وسوريا ولبنان، والعراق، واخيرا بروز الأزمة القطرية او الخليجية في أوسع مضامينها، والتي تعرض منطقة الخليج لكل الإحتمالات بإعتبارها المنطقة التي كانت أكثر إستقرارا واليوم باتت هذه المنطقة بما لها من أهمية إستراتيجية وإقتصادية مستهدفة بشكل مباشر لأطماع الدول الإقليمية، وأرضها باتت مستقبلة للتواجد العسكري الخارجي كما نرى في قطر التواجد الأمريكي والتركي وتمدد النفوذ الإيراني، وفي غيرها وخصوصا تمدد النفوذ الإيراني ليصل لسواحل البحر المتوسط من جهة سوريا. وزيادة التواجد العسكرى الروسي في سوريا ووصوله لحلم قديم، حلم الوصول للمياه الدافئة في الخليج عبر إيران وقطر أيضا.

ومما يزيد من إحتمالات الحرب التمدد الإيراني في منطقة الخليج، ومحاولة إجهاض القوة السعودية بإحاطتها بمناطق تسيطر عليها إيران في اليمن، وفي الشمال العراق وفي الغرب لبنان وسوريا، وهي سياسة تعرف بسياسة الكماشة، والهدف الأساس هو ضرب الدور السعودي وإضعافه مما يسهل السيطرة على المنطقة ويحول إيران إلى دولة إمبراطرية، تعيد معها احلام الأمبراطوية الفارسية.

ومما زاد من إحتمالات الحرب إستهداف الرياض ومطارها بصاروخ باليستي حوثي، ولهذا دلالات خطيرة، فعندما تستهدف عاصمة دولة ما فهذا يعني إلإقتراب من المواجهة العسكرية، وزيادة الذهاب لخيار الحرب.

ولم تتوقف هذه التهديدات على السعودية العربية بل طالت التهديد بضرب إمارة أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي الوقت ذاته العيون على الجيش المصري الأقوى في المنطقة، وهو الحصن القوي للأمن القومي العربي والقادر على التصدى وكبح جماح نفوذ وتطلعات هذه الدول. وتفاقمت التطورات بعد إستقالة الحريري وظهور القراغ في لبنان، وتجدد الحديث عن حرب جديدة قد تكون لبنان مسرحها.

ومن هذه الرؤية تبدو خيارات الحرب وإحتمالاتها واطرافها واضحة، وقد تكون هذه المرة إيران والسعودية، وقد تجران معهما دولا عربية أخرى، وتدخلا دوليا..! هذه الحروب والصراعات الهدف منها واضح وهو إعادة رسم الخريطة السياسية الثانية للمنطقة ولكن على أسس مذهبية واثنية وقومية جديدة تأتي على حساب الهوية العربية للمنطقة..!

ويبقى التساؤل في كيفية مواجهة هذه الأخطار؟
هذا يتطلب تدعيم التنسيق والتحالف العربى بين مصر كدولة أساس والسعودية والإمارات وتوسيعه ليشمل دولا عربية اخرى مستهدفه كألأردن مثلا. والإسراع بالتسوية السياسية للعديد من الأزمات في سوريا، والعمل على إحتواء الأزمة الخليجية وعدم تحولها كمدخل للدول الطامحة.

وأخيرا يبدو ان المنطقة قد تكون مقبلة على حرب هدفها إعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة بما يتوافق هذه المرة مع مصالح دول كثيرة، في السابق كانت بريطانيا وفرنسا وفقا لإتفاقات سايكس بيكو، اما اليوم فهذه الدول عديدة.. إيران تركيا واسرائيل، والولايات المتحدة وروسيا، مما يعني ان تكون خريطة سياسية قزمية تتكون من العديد من الكينونات والدويلات الصغيرة مما يبقيها تحت سياسة الإتباع والإحتواء. هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه المنظومة العربية؟ فماذا هم فاعلون؟

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com