2017-11-16

تبعات ارتدادية لأربع هزات خليجية..!


بقلم: د. أحمد جميل عزم

تعيش منطقة الخليج العربية مجموعة من الأزمات، التي تبدو في جزء منها أزمات "اختيارية" أي أن صُناع القرار رأوا دخولها لحسم ملفات معينة، وبأمل الانطلاق نحو وضع أفضل، بعد تجاوز مرحلة انتقالية، ولكن هذه الأزمات لها آثار جانبية مهمة، لا تمس الخليج وحده، ومن المهم رؤيتها، ودراستها.

يمكن الحديث عما لا يقل عن أربع هزات حالية، بغض النظر إن كانت مفروضة لعوامل خارجية مثل الموضوع الإيراني، أو هي أعراض ترافق سياسات جديدة، يعتقد أنّها خطوات صحيحة للتصحيح، مثل فرض الضرائب. والهزات الراهنة، هي أولا، فرض رسوم وجمارك، ثانيا، الأزمة القطرية والرفض السعودي الإماراتي البحريني للتعايش مع سياسات قطر، وثالثا الأزمة السعودية الداخلية، ضمن ما يوصف سعودياً رسمياً بحملة ضد الفساد، ورابعاً، المواجهة مع إيران. ويضاف لهذه الهزات، ملف معقد مزمن، هو التوطين وتعديل التركيبة الديمغرافية، ويضاف كذلك بقايا ملف، تعتقد دول الخليج انّها حققت انتصاراً فيه، هو "ذيول" مرحلة الربيع العربي.

بحسب تقرير لاتحاد النقل الجوي الدولي (إياتا)، صدر قبل أيّام، تأثرت أرباح شركات الطيران في الشرق الأوسط، ويتوقع التقرير أن تكون أرباح شركات الطيران في المنطقة نحو400 مليون دولار في العام الحالي، 2017، نزولا من 1.1 مليار دولار في العام 2016. وبحسب الاتحاد فإنّ زيادة الضرائب والرسوم على البنية التحتية سبب أساسي في هذا التراجع.

ليس واضحاً بعد أثر الأزمات الخليجية الراهنة، في ملف مثل الطيران، وليس بالضرورة أن يكون التراجع أعلاه في قطاع مثل الطيران قد تأثر فعلياً من الأزمات الخليجية، ولكن السؤال، ماذا بالنسبة للمرحلة المقبلة. وقد بات حتى التنقل بين دول الخليج ذاتها أكثر تعقيداً.

ستؤدي زيادة الرسوم والضرائب التي بدأت بالفعل في الخليج، والتي ستتكرس مطلع العام 2018، بفرض ضريبة القيمة المضافة، كخطوة على طريق زيادة الضرائب والرسوم لتحسين الجباية، ورفد الخزينة، إلى تقليل جاذبية السفر لهذه الدول، التي بنت في السنوات الأخيرة بنية تحتية خاصة بالسياحة والتسوق والمتاحف والفعاليات الثقافية والإعلامية، والتسويق العقاري. وسيتبع هذا الأمر تقليل جاذبية هذه البلدان للعمالة، وهو ما يرافقه من الجهة المقابلة سياسات محلية لتقليل العمالة الوافدة، وخفض رواتبها ومكتسباتها بطريقتين، أولاهما الخفض المباشر للرواتب، والثاني زيادة الرسوم وتقليص تقديم الخدمات، وهو ما قد يعني بالتالي المزيد من التراجع في قطاعات مثل الطيران، والسياحة، وقطاع العقارات الذي جرت فيه استثمارات هائلة، وبات المعروض في أسواقه الآن أكثر من الطلب.

ومع التوتر السياسي الحاصل، بسبب كل من الموضوع القطري، والتدخل الإيراني، هناك تراجع إضافي في الحريات الداخلية في كل هذه الدول بلا استثناء، وهي التي تعاني أصلاً في هذا المجال، وهناك قيود متزايدة على الإعلام. وهناك انقسام الآن في الإعلام والعمل الثقافي بين هذه الدول، ودرجة من الاستقطاب مع وجود حرب باردة بينها، ستنعكس على نخب الكُتّاب والأكاديميين والمثقفين والإعلاميين، الخليجيين والعرب، الذين سيجدون أنفسهم دون قرار منهم أحياناً، طرفاً في هذه الحرب، بسبب هيمنة المؤسسات الإعلامية والثقافية في هذه الدول، بفضل القدرات المالية، وهذا سينعكس على مجمل العمل الثقافي العربي.

هناك أيضاً ظاهرة تتفاعل تحت السطح، قد تتفاقم، وهي أنّه بموازاة تعطل الاستثمارات البينية، بين هذه الدول، بسبب الأزمات السياسية، وحالة عدم اليقين والخوف بالنسبة للاستثمارات في ظل متغيرات مثل حملة الاعتقالات التي حدثت في السعودية، وزيادة الضرائب والرسوم التي تقلل من جاذبية الاستثمار للمستثمرين المحليين والوافدين الصغار، هناك اتجاهات لخصخصة قطاعات كبيرة، منها القطاعات النفطية، وبالتالي توقع دخول مستثمرين أجانب كبار على شكل شركات متعددة الجنسية، تقف خلفها حكومات قوية تدعمها، ما قد يجر المزيد من الأزمات مستقبلا.

كما سلف سابقاً، بعض ما يجري الآن، ينظر له على أنّه ضرورة ستمهد لوضع أفضل، من مثل تقليص الهدر والاستهلاك بتخفيف الدعم الحكومي، ولكن الثابت أيضاً أنّ هناك مخاطر وملفات عديدة تحتاج دراسات وافية، وفي اللحظة الراهنة هناك حالة عدم يقين غير مسبوقة تقريبا في الشأن الخليجي.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com