2017-11-10

عرفات الباقي فينا..!


بقلم: عمر حلمي الغول

مضت ثلاثة عشر عاما على رحيل القائد الرمز ياسر عرفات، أرغموه على الترجل عن المشهد، وضعوا له السم، ومن تكفلوا بعلاجه في فرنسا لم يجدوا له الترياق المناسب لتعافيه من عملية القتل العمد وعن سابق تصميم وإصرار من قبل قادة دولة التطهير العرقي الإسرائيلية. كان لفقده التراجيدي ووداعه الإستثنائي في ثلاثة عواصم اوروبية  (باريس) وعربية (القاهرة) وفلسطين (رام الله العاصمة المؤقتة) دلالة عميقة على فرادة الزعيم الفلسطيني الخالد.

كان ابو عمار مختلفا ومتميزا بما له، وبما عليه. لم يكن صنو أحد من مجايليه، ولم يكن نسخة كربونية عن أي زعيم آخر في العالم. كان نسيج ذاته ومعاييره ودهائه وفطنته، كان سيد الميكافيلية في ريادته وقيادته لحركة التحرر الوطني. فكان لينين وستالين وماو تسي تونغ وجمال عبد الناصر ومانديلا وفيدل كاسترو وهوشي منه وديغول وجياب وعمر المختار، وكان نموذجا للخليفة عمر بن الخطاب والخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز وغيرهم من قادة الأمة والشعب والعالم. كان إمتدادا لكل عظماء العالم على مر العصور، وفي نفس الوقت، كان غيرهم جميعا، تعلم ونهل منهم، وسبقهم او تساوى وإياهم في ميدان القيادة وفن إدارة الصراع في ظل أعقد الظروف.

كل من عمل او تعاون مع الرئيس الرمز عرفات خلص للنتيجة التالية: تختلف او تتفق معه لا يمكن إلآ ان تحبه او تحترمه، ولكن لا تكرهه او تناصبه العداء، حتى إخوانه ورفاقه في حركة فتح وفصائل العمل الوطني وحتى قوى حركة التحرر العربية والعالمية الذين خاصموه وإختلفوا معه على أليات إدارة العمل الداخلي والوطني والأممي، إحترموه وأحبوه. وكما قال الحكيم حبش، رحمة الله عليه "نختلف مع ابو عمار، ولا نختلف عليه" كقائد ورمز للوطنية الفلسطينية. أعداء الختيار من الإسرائيليين والأميركيين وبعض العرب ومن لف لفهم، هم من كرهوا وتمنوا الموت الف مرة لياسر عرفات. وشارون وأركان قيادته الإستعمارية وبضوء أخضر أميركي هم من دس السم لرمز الوطنية الفلسطينية وقتلوه، لإنه كان شوكة في حلق مشاريعهم التصفوية للقضية الفلسطينية.

رحل الزعيم الفلسطيني قبل ثلاثة عشر عاما، ترك المسرح في أيد أمينة لخليفة مؤتمن على القضية وثوابتها الوطنية، لكن عرفات لم يغادر ذاكرتنا ولا تفاصيل حياتنا ولا ايامنا بمرها وحلوها. بقي معنا وفينا الشاهد الحي على كفاحنا الوطني. وبقيت نواميسه وضوابطه وثوابته ثوابتنا حاضرة في جلساتنا وحواراتنا، بقيت مرشدا وبوصلة لنضالنا الوطني.

وإذا دقق المرء بموضوعية في المشهد الفتحاوي والفلسطيني العام، يلحظ ان عرفات حاضر بقوة في تفاصيلنا الصغيرة وعناويننا الكبيرة، في ترحالنا وإقامتنا، في أحلامنا ويقظتنا، حتى بات أكثر تدخلا في مرتكزات قيمنا وسلوكياتنا. وكلما تحدث احد ما حول مسلك او عن حدث ما، تجده يستحضر نموذج الراحل الخالد ابو عمار. وهو ما يدلل على ان الزعيم الفلسطيني السابق لم يكن زعيما عاديا، انما هو قائد تاريخي بخصال الأبطال التراجيديين المأساويين، الذين رحلوا ولم يرحلوا. غادروا مواقعهم في مسرح الحياة الدنيا، لكنهم ظلوا محافظين على إرثهم وقوة حضورهم بإرادة وخيار شعوبهم، لما لهم من خصال عظيمة. وهذا هو سر الخالد ياسر عرفات.

وعظمة ابو عمار الآن تتجلى في بكاء من إختلفوا معه، وتعجلوا رحيله، ومن تخلوا عنه او أداروا الظهر له. لكنها سِنةْ الحياة، لا أحد منا دائم، الدوام لله، والرحمة على سيد الشهداء الراحل الرمز ابو عمار، ولشعبنا وقضيتنا وثوابتنا الوطنية وقيادتنا الشرعية البقاء.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com