2017-11-07

وعد بلفور.. السياق التاريخي


بقلم: ناجح شاهين

ربما يجدر بنا أن نتحدث عن وعد نابليون. ألم يكن هو الزعيم الأول الذي فكر فعلياً في تأسيس وطن لليهود في فلسطين؟ ترى لو لم يهزم أمام أسوار عكا، ولم يهزم في أبي قير ولم يهزم في واترلو أكنا رأينا بدايات إسرائيل في ذلك الزمن المبكر من بداية القرن التاسع عشر بدلاً من بداية القرن العشرين؟

قد لا يكون بالإمكان إجابة التساؤل اعلاه: "لو" ضرورية في عمل المؤرخ وعالم السياسية ورجل السياسية جميعاً، ولكنها تفتح باب الشيطان على حد تعبير أنصار الإسلام السياسي.

ليس وعد بلفور إذن اختراعاً بريطانياً خالصاً، إنما هو "شبح" كان يجوب أرجاء أوروبا على حد تعبير ماركس في  البيان الشيوعي. مشروع الدولة اليهودية في فلسطين لا يمكن أن يفهم إلا في سياق تصدير فائض السكان الأوروبيين ألى آسيا وأفريقيا و"العالم الجديد". ولكي نوضح ذلك على نحو حاسم تقريباً نذكر القارئ الكريم بأن المهاجرين خصوصاً من فئة المتطهرين تعاملوا مع أمريكا على أنها "أرض الميعاد" أو نوع من أرض الميعاد فأطلقوا على مناطق كثيرة في الساحل الشرقي أسماء مثل فلسطين والناصرة واسرائيل وبيت لحم وحبرون...الخ كان هناك زواج سياسي بنكهة أسطورية بين استعمار العالم واستيطانه ونهبه وبين الرواية الدينية عن عودة شعب الله الى ارضه. ومهما بدا لنا الأمر سخيفاً فقد تم التعامل مع أمريكا وكندا بوصفهما ارض الميعاد.

لكن اللحظة حلت بالفعل مع نابليون للتفكير في أرض الميعاد "الأصلية". وهكذا عاد الفكرة من غربتها في مستوى الرمز إلى وطنها المكون من تراب وحجارة وأرض وبلاد اسمها فلسطين.

كانت الامبراطورية تعاني من بعض النقص في السيولة بعد ثلاث سنوات من الحرب ضد ألمانيا وتركيا وكان لدى روتشيلد وغيره من أساطين المال اليهود ما يلزم وما يكفي من تبل السيولة. وهذ بالطبع يفسر بسهولة أن رسالة الوزير بلفور قد وجهت إلى رجل الأعمال روتشيلد وإن أعلنت على الملأ وعلى نحو رسمي. لكن ذلك بالطبع ليس سبباً كافياً مثلما يقول المناطقة: هناك بالطبع الأهمية "الذاتية" للمشروع التي دفعت نابليون إلى التفكير فيه. وجود دولة يهودية في فلسطين أمر حيوي للمصالح الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية ...الخ. اتضح أنها مهمة لأية قوة استعمارية تسيطر على المشهد السياسي الكوني وتصبح القوة المهيمنة الأولى عالمياً. لا بد أن المرء يتساءل أحياناً: هل ستصدق هذه الواقعة على الصين في حالة وراثتها للهيمنة الأمريكية؟

الرسالة الى اللورد روتشيلد مدهشة في أكثر من وجه ومن وجوهها ونخص بالذكر حديثها عن الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين the civil and religious rights بينما تتحدث عن تأثر الحقوق اليهودية كلها أو تأثر الوضع السياسي الذي يتمعتون به في اوروبا نتيجة لهذا الوعد أو ما سيترتب عليه من انشاء الدولة اليهودية.

يحيلنا هذا إلى التشبيه أعلاه: اليهود مواطنون أوروبيون يذهبون باختيارهم لاستيطان فلسطين مثلما ذهب أقرانهم لاستيطان امريكا وذلك لا يسحب منهم أياً من حقوق المواطنة، بما في ذلك السياسية. أما سكان البلاد "الهنود" الأمريكيين أو الفلسطينيين فإن لهم حقوقاً مدنية غامضة وحقوقاً دينية أشد غموضاً.

هكذا فتح الوعد الباب على مصراعيه لإلحاق الظلم السياسي المشرعن بالشعب الفلسطيني الذي لا يهم في هذا المجال كثيراً ما إذا كان شعباً متبلراً في تلك اللحظة أو أنه كان جزءاً من أمة عربية في طور التكوين. عدم تبلر الهوية السياسية ليس مسوغاً فيما نزعم لقدوم المستعمر الى البلاد ونهبها وطرد سكانها أو تطهيرهم أو استعبادهم. لكن هذا ما فعله الأوروبيون منذ بداية القرن السادس عشر في قارات العالم كلها، ولم تكن فلسطين شأناً استثنائياً، بل إن علينا أن نذكر هنا أن الجزائر تعرضت للون نفسه من الاحتلال الاستيطاني ولكن عنف الثورة الجزائرية قوض المشروع الفرنسي فيها نهائياً.

اليوم يطالب بعضنا بريطانيا بالاعتذار عن وعد بلفور. بالطبع بريطانيا لن تفعل، ولكنها لو فعلت لما غير ذلك من واقعنا المتولد عن ذلك الوعد شيئاً. لكننا نود أن نوضح هنا أن هوية بريطانيا التي أعطت وعد الدولة اليهودية في فلسطين لم تتغير. كل ما هنالك أنها فقدت هيمنتها الكونية لمصلحة "ابنتها" الولايات المتحدة. ولذلك فإن إصرار بريطانيا على عدم الاعتذار وصولاً إلى الاحتفاء بالذكرى هو مؤشر على استمرار الحرب الكونية الأوروبية ضد القارات المنهوبة المستضعفة. في هذا المعنى يجب أن نؤكد أن الصراع الفلسطيني والعربي لا يستطيع أن يتهرب من مجابهة الاستعمار الكوني في بلاد العرب كلها بما في ذلك رأس حربته إسرائيل الصهيونية المقامة على أرض فلسطين بفضل وعد بلفور والدعم البريطاني/الأوروبي الذي لا حدود له.

* الكاتب أكاديمي فلسطيني. - najehshahin@yahoo.com