2017-11-07

مئة عام على الثورة البلشفية في روسيا: العدالة وكرامة الإنسان ما زالتا على جدول أعمال البشرية


بقلم: داود تلحمي

عندما انطلقت الثورة البلشفية في روسيا القيصرية في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1917 (25 تشرين الأول/أكتوبر، حسب التقويم اليولياني – نسبة الى يوليوس قيصر - الذي كان سائداً آنذاك في روسيا)، لم يكن قادة الثورة واثقين تماما من إمكانية نجاحها وديمومتها. وروى أحد المؤرخين الذين واكبوا تلك المرحلة ان قائد الثورة، فلاديمير أوليانوف (لينين)، شوهد في أحد أيام الشتاء الروسي القاسي في مطلع العام 1918، وهو يبدي ابتهاجه، بطريقته الخاصة، في باحات الكرملين الخارجية في موسكو، بالرغم من الطقس شديد البرودة، وذلك احتفاءً بتجاوز عمر الثورة البلشفية، في ذلك اليوم، عدد الأيام التي عاشتها كومونة باريس (الإنتفاضة العمالية التي شهدتها العاصمة الفرنسية في الأشهر الأولى من العام 1871).

ولم يعش لينين طويلاً بعد ذلك ليتأكّد من ديمومة النظام الثوري الجديد ومآلاته، خاصةً بعد أن تعرّض لمحاولة اغتيال في صيف العام ذاته 1918، وهي المحاولة التي تسبّبت بإصابةٍ بليغة له وبتدهورٍ لاحق لصحته، مما اضطره، في نهاية المطاف، الى مغادرة مهماته في الدولة، والى الإنزواء، في تعطلٍ صحي نهائي له منذ أواخر العام 1922، وهو تعطلٌ انتهى بوفاته في مطلع العام 1924، وهو بالكاد تجاوز الخمسين من عمره. ولا شكّ أن هذا الرحيل المبكر ترك فراغاً كبيراً في البلد في تلك المرحلة الحساسة. وشهدت مرحلة ما بعد غيابه، بالفعل، جملةً من الخلافات والصراعات بين رفاقه في قيادة الحزب حول سبل تحقيق هدف التحول الإشتراكي في البلد، بعد أن تبيّن لهم أن الرهان على امتداد الثورة، في أمدٍ مباشر، لتشمل بلداناً أخرى أكثر تطوراً راسمالياً وصناعياً من روسيا، لم يعد وارداً. وفي مناخات تلك الخضّات والصراعات داخل قيادة الحزب والدولة الفتية، تواصلت محاولات شق طريق التحول الإشتراكي، فيما كان المحيط الأوروبي والعالمي يشهد تطوراتٍ درامية متلاحقة، بما في ذلك حرباً عالمية رهيبة فاقت بوحشيتها الحرب التي سبقت الثورة، لتنتهي كل هذه المحاولات والجهود، في أواخر العام 1991، دون أن تتحقّق الأهداف الكبرى التي رفعتها ثورة 1917، ودون أن يتجسّد الحلم الكبير لمئات الملايين من البشر بإقامة المجتمع العادل، المتطور والمزدهر، مجتمع الإنعتاق الكامل، المجتمع الخالي من كل أشكال الإستغلال واستعباد البشر.

وهكذا، لم تكمل تجربة التحوّل الإشتراكي في الإتحاد السوفييتي قرنها الأول. ولم يتمكّن الإتحاد السوفييتي نفسه من الحفاظ على تماسكه، فتفرّقت جمهورياته الخمس عشرة، ومضت كلٌ منها، على طريقتها، مرتدةً، في السنوات الأولى التي تلت التفكك، نحو نظامٍ رأسماليٍ منفلتٍ من أية ضوابط. وانطلقت عمليات نهشٍ واسعٍ للملكية العامة من قبل حفنةٍ من المتنفذين الجشعين، الذين شكّلوا ما يشبه المافيات الجديدة، التي بات هاجسها الوحيد هو الدفاع عن امتيازاتها وثرواتها المستجدّة بكل السبل، ودون أي وازعٍ، على حساب قوت ومستوى معيشة وكرامة الملايين من أبناء بلدهم.


بذور التأزم:
وكان بعض المتابعين والمهتمّين بالتجربة السوفييتية، منذ بداياتها، رأوا بذوراً لتأزم تجربة التحوّل الإشتراكي هذه قبل سنواتٍ من انهيارات أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات، وحتى، من وجهة نظر عددٍ منهم، قبل عقودٍ طويلة. ولكن الغالبية الساحقة من هؤلاء المتابعين والمحللين لم تكن تتوقع مثل هذا الإنهيار السهل، من داخل القلعة، وبهذه السرعة.

فمنذ وفاة ليونيد بريجنيف، الذي شغل موقع الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي زهاء العقدين من الزمن، بين تشرين الأول/أكتوبر 1964 وتشرين الثاني/نوفمبر 1982، تزايد الحديث في وسائل الإعلام العالمية عن جدلٍ دائرٍ في الأطر القيادية للحزب الشيوعي السوفييتي بشأن كيفية التعامل مع الإحتقانات الإقتصادية الداخلية المتفاقمة، خاصةً في مناخ التحديات الكبيرة التي فرضها اليمين المتصلّب الذي أمسك بناصية القرار في الولايات المتحدة مع وصول رونالد ريغن الى سدة الرئاسة في مطلع العام 1981، وهو صاحب الآراء المتطرفة في العداء للإتحاد السوفييتي ولكل ما له علاقة بالخيارات اليسارية وحتى بحركات التحرر الوطني في أنحاء العالم، والتي كان يضعها كلها، بدون تمييز، في سلة "إمبراطورية الشر" الشيوعية، وفق التعبير الذي أطلقه آنذاك.

وقيل في حينه ان الزعيم الذي خلف بريجنيف، وهو يوري أندروبوف، كان من أنصار التغيير والإصلاح في الإتحاد السوفييتي. لكن أندروبوف لم يعمّر طويلاً بعد انتخابه أميناً عاماً للحزب الشيوعي الحاكم في أواخر العام 1982، حيث توفي في شباط/فبراير 1984. وخلفه في موقع الزعامة كونستانتين تشيرنينكو، الذي كان يُعتبر أقلّ حماسةً للتغيير، وهو، بدوره، بالكاد استطاع إكمال عامه الأول في الحكم، ليجري، في مطلع العام 1985، اختيار ميخائيل غرباتشوف، "الشاب" نسبياً آنذاك مقارنةً بأسلافه الثلاثة، لتولّي هذه المسؤولية. وقيل كذلك، في ذلك الحين، أن غرباتشوف كان من بين الذين كان أندروبوف يدعمهم داخل الحزب في سياق مشروعه الإصلاحي، الذي لم يتمكّن من البدء في تنفيذه خلال فترة حكمه القصيرة.

وفي كل الأحوال، سرعان ما تبيّن انه لم يكن من السهل إحداث تغييراتٍ جذرية في البنى السياسية والإقتصادية وتقاليد العمل التي ترسّخت في الإتحاد السوفييتي منذ العقود الأولى للتجربة. فمن جهة، لم يكن واضحاً لدى أنصار الإصلاح هؤلاء كيف يمكن أن تجري الأمور لتحقيق هذه التغييرات بدون أن يتهدّد استقرار البلد الداخلي ودون أن تتعرّض تجربة التحول الإشتراكي للخطر. ومن جهةٍ أخرى، كانت هناك قوى نافذة داخل البلد غير مستعدة لتقبّل أية تغييراتٍ جذرية، في حين كانت القوى الخارجية المعادية للتوجهات الإشتراكية ككل تفعل ما تستطيع لمراكمة المصاعب والعقبات أمام مسيرة الإتحاد السوفييتي وتطوره الإقتصادي. كل هذه التعقيدات برزت بقوة على السطح بعد وصول ميخائيل غرباتشوف وفريقه الى قمة السلطة في آذار/مارس 1985، وبعد محاولاته الأولى للتغيير، والتي بدت، على أية حال، مرتبكة وحتى أحياناً متناقضة، نتيجة الضغوط الآتية من الجهات المختلفة التي كان يتعرّض لها. ولم تلبث الأمور أن خرجت عن السيطرة، خاصةً مع استمرار تدهور الوضع الإقتصادي في النصف الثاني من الثمانينيات، بالترافق مع تكثّف الضغوط والتحديات الخارجية، لتنتهي محاولات الإصلاح والتغيير المرتبكة هذه، في نهاية المطاف، بالإطاحة بالنظام السوفييتي وبتجربة التحوّل الإشتراكي في البلد، وقبله وبعده في البلدان المجاورة الحليفة أو ذات الخيارات المشابهة، وحتى بالإطاحة بوحدة الإتحاد السوفييتي نفسه.

فهل كانت "مغامرة" غرباتشوف، غير المحسوبة وغير المسيطر عليها، هي السبب في هذا الإنهيار؟ أم ان معضلة "الجمود"، كما أُسميت، في عصر بريجنيف، هي السبب في تأزم الوضع الإقتصادي في الإتحاد السوفييتي، وبالتالي فتح أبواب زعزعة النظام بمجمله؟ أو هو الإنقلاب الذي قام به سلف بريجنيف في زعامة الحزب الحاكم، نيكيتا خروتشوف، على تراث الزعيم الذي سبقه، يوسف ستالين؟ أم هي سياسات وتطبيقات ستالين نفسه، الرجل الذي تحكّم بمسار وسياسات الإتحاد السوفييتي طوال عقودٍ ثلاثةٍ تقريبا، بعد أن سيطر على القرار والسلطة الفعلية منذ السنوات الأولى للثورة البلشفية، في ظروف إعتلال صحة قائد الثورة والزعيم المؤسس للحزب البلشفي (الإشتراكي الديمقراطي سابقاً، ثم الشيوعي)، فلاديمير لينين، ومن ثمّ غيابه المبكر؟

وهناك، بطبيعة الحال، الكثير من الإجتهادات بهذا الصدد. وهناك أنصارٌ للآراء المختلفة بشأن مصدر الخلل وتشخيص نقطة بداية الإنحدار في التجربة. ومهما كان الإجتهاد بشأن المسؤوليات والمحطات المفصلية في تأزّم هذه المسيرة، فلا شكّ أنه كان هناك، في نهاية المطاف، إخفاقٌ كبير في بعض المجالات الإقتصادية الأساسية، كان مرئياً من قبل القيادة السوفييتية نفسها منذ وقتٍ مبكر، وكان هناك حديث عن الإصلاحات لمعالجته قبل عقدين على الإنهيار، على الأقل. والكتابات بشأن هذا التأزم الإقتصادي، بجذوره وتجلياته، باتت الآن كثيرةً وغنيةً بالأرقام والمعلومات.

وفي المحصلة، تجلّت المفارقة الكبرى في كون نظام التحول الإشتراكي في الإتحاد السوفييتي واجه، في آلياته الداخلية وممارسته العملية، عوائق مستعصية أمام تنامي القوى المنتجة، وبالتالي أمام تلبية احتياجات المجتمع المتزايدة المختلفة، في حين كانت النظرية تفترض أن تجاوز النظام الرأسمالي وولوج مرحلة التحول الإشتراكي يفتحان المجال أمام تجاوز التناقض الكامن في النظام الرأسمالي بين التنامي المتسارع للقوى المنتجة، من جهة، وطبيعة علاقات الإنتاج، التي سرعان ما تصبح معيقةً لهذا التنامي، من الجهة الأخرى. وكان أحد الإقتصاديين الماركسيين البارزين قد تحدّث، منذ وقتٍ مبكّر، عن "نمط إنتاجٍ سوفييتي" خاص، لا هو اشتراكي ولا هو رأسمالي، يمكن أن يقود الى الإشتراكية، ويمكن أن ينتكس. وهكذا، فيما كان منظرو النظام السوفييتي ومناصروه يفترضون ان مسيرته الفعلية عزّزت التوجه نحو الإشتراكية ووضعت الأسس التمهيدية لبناء المجتمع الشيوعي، كان الواقع الفعلي أكثر تعقيداً ورماديةً.

معضلة "الحزب الواحد" وتغييب الحريات:
 والمعضلة لم تكن تتعلّق فقط بإشكاليات نمط الإنتاج، والتعثّرات الإقتصادية التي أخذت تتزايد في مراحل متقدمة من التجربة، بل كان الإشكال الأولي يكمن في طبيعة البنية السياسية – الإقتصادية التي كانت تقوم على مركزةٍ شديدة للقرار، السياسي والإقتصادي على حدٍ سواء، وحتى على صعيد مجالات النشاط البشري الأخرى. فالقرارات الفعلية تركّزت في أيدي مجموعةٍ صغيرةٍ من الناس على رأس قمة الهرم في الحزب الحاكم والدولة، مقابل "اغتراب" القطاعات الشعبية الأوسع عن هذا القرار وعن مسيرة التجربة وتطورها. هذا، في حين كان من المفترض أن تكون القطاعات الشعبية الأوسع، جماهير الشغيلة بكل مكوناتها وفروعها، مشاركةً في كل مفاصل التجربة وفي مواقع المسؤولية والقرار، وبشكلٍ أساسي، في دور الرقابة عليها. وكان هذا هو الدور المفترض لتلك "المجالس"، أو "السوفييتات"، التي تشكّلت، حتى قبل قيام الثورة، من العمال والفلاحين والجنود، وأعطت للبلد الجديد اسمه. لكن الأمور لم تسر، في واقع الحال، بهذا الإتجاه. فسرعان ما جرى احتكار السلطة، ومنذ السنوات الأولى للتجربة، من قبل الحزب الحاكم، وفي الواقع من قبل الهيئات القيادية للحزب، وخاصةً من قبل النواة القيادية العليا، ولفترةٍ طويلة من قبل النواة "الضيقة" المتمثّلة في الزعيم الأول ومن هو قريبٌ جداً منه، بمعزلٍ عن أية مشاركةٍ فعلية لهذه القطاعات الشعبية، أو حتى لجمهور الحزب الحاكم نفسه.

ولا شكّ ان العمليات العدوانية التي تعرّض لها البلد منذ السنوات الأولى للثورة من قبل عددٍ من الدول الأجنبية، بتواطؤٍ من مجموعاتٍ محلية متضررة من الثورة ومن مشروعها للتحول الإشتراكي، دفعت النظام الجديد الى قدرٍ كبير من الإنغلاق على الذات، ومن التشدد، خشيةً من الإطاحة المبكرة بالتجربة. وتعزّز هذا التوجه بعد محاولة اغتيال لينين، ومحاولات التخريب الداخلي الأخرى، وبعد اندلاع "الحرب الأهلية" التي ترافقت مع هذه الإجتياحات الخارجية. فاتجهت القيادة الثورية الجديدة لاتخاذ قرارٍ، من بين القرارات التي اتخذتها، لم يكن مبيتاً ولا كان جزءً من توجهاتها الأساسية، ألا وهو منع الأحزاب السياسية الأخرى كافةً، بما في ذلك اليسارية منها، واحتكار الحزب البلشفي الحاكم للعمل السياسي وللشأن العام في البلد.

وفي حينه، كان من المفترض أن تكون هذه الصيغة الطارئة، صيغة الحزب الواحد، صيغةً مؤقتة، الى حين تجاوز مرحلة التحديات المصيرية والأمنية الكبيرة في سنوات الثورة الأولى. لكن، مع الزمن، ومع استمرار وتشابك التحديات، الداخلية والخارجية، استمرّ وتعزّز إحتكار الحزب الواحد للسلطة، وأصبحت وحدانية الحزب ومركزية القرار فيه وفي الدولة حالةً طبيعيةً دائمة. لا بل، الأنكى من ذلك، أصبحت مبدأً يجري التنظير له، وتحوّلت حتى الى نموذجٍ جرى "الإقتداء" به، لاحقاً، في تجارب أخرى، بما في ذلك في العديد من بلدان "العالم الثالث" التي استقلّت وتنامى حضورها على الساحة الدولية، خاصةً في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية. وساهمت التحديات الكبرى اللاحقة التي واجهت الإتحاد السوفييتي، وخاصة الغزو النازي للبلد في أواسط العام 1941، ثم "الحرب الباردة" التي فرضت على البلد بعد انتهاء الحرب الساخنة مباشرةً، في تعزيز نزعة الإرتياب والمركزية المفرطة هذه.

واحتكار السلطة، كما هو معروف، يعزّز النزعات الإستبدادية، وهو أيضاً، يوسّع الهوة بين مركز القرار، الحزب أو النواة القيادية له وللدولة، وبين الجمهور الواسع الذي يدّعي الحزب أو قيادته أنه يعمل في صالحه ومن أجل مستقبله. كما ان غياب الرقابة الشعبية الفعلية تفتح المجال أمام مظاهر من الفساد والتفسخ، إن لم تكن موجودةً أو منتشرة في البدايات، فهي لا تلبث أن تتزايد مع مرور الزمن في ظل غياب المراجعة والمحاسبة والتصحيح الدائم. وهذه الهوة، التي تعزّزت خاصةً في سنوات التجربة اللاحقة، هي التي تفسّر، ليس فقط اللامبالاة الواسعة في الإتحاد السوفييتي وغيره من بلدان تجارب التحول الإشتراكي إزاء انهيارات النظام فيها، أواخر الثمانينيات ومطالع التسعينيات، وتجاه نهاية "دولة الشعب" ودولة "جماهير العمال والفلاحين" المفترضة، بل تسمح بتفسير التحولات اللاحقة لقطاعاتٍ واسعة من الجمهور في بعض بلدان ما بعد الإنهيارات باتجاه مواقف وخياراتٍ يمينية، وحتى يمينية متطرفة في بعض الحالات.

ومن بين الإنتقادت المبكّرة لنزعة احتكار السلطة والقرار من قبل الحزب الواحد وقيادته، تلك الملاحظات التي سجّلتها القائدة الشيوعية الألمانية، من أصل بولندي، روزا لوكسمبورغ، التي اغتالتها القوى المضادة للثورة في ألمانيا في مطلع العام 1919 في إطار محاولات هذه القوى لاستباق تنامي الإحتمالات الثورية الكامنة في البلد إثر هزيمته في الحرب العالمية الأولى. ملاحظات القائدة اليسارية الألمانية وضعت الإصبع، بجرأةٍ مبكرة، وعلى أرضيةٍ من التضامن والتقدير لشجاعة ومبادرة الثوريين الروس وللأهمية التاريخية لثورتهم المقدامة، على بعض جوانب هذه الإشكالية المبكرة في التجربة السوفييتية. ولا زالت الكلمات التي خطّتها، من سجنها في ألمانيا خلال الأشهر الأولى التي تلت "ثورة أكتوبر"، تلفت الإنتباه بوضوحها وصرامتها المثيرين: "إن الحرية فقط لأولئك الذين يدعمون الحكومة، وفقط لأعضاء حزبٍ واحد، ومهما كان عددهم كبيراً، ليست حريةً على الإطلاق. فالحرية هي دائماً وبشكلٍ حصري لذلك الذي يفكّر بشكلٍ مختلف"... "بدون انتخاباتٍ عامة، بدون حريةٍ غير مقيّدة للصحافة وللإجتماع، بدون صراعٍ حرٍّ للأفكار، تموت الحياة في كل مؤسسة عامة، وتصبح مجرد وهمٍ بالحياة، حيث البيروقراطية وحدها تبقى هي العنصر النشط. فالحياة العامة تركن الى النوم بشكلٍ متدرج، ويقوم بضع عشرات من قادة الحزب من ذوي الحيوية الفائقة والخبرة غير المحدودة بالقيادة والحكم. ومن بينهم، في الواقع، يقوم عددٌ محدودٌ فقط من الرؤوس البارزة بالدور القيادي، وتجري، بين حينٍ وآخر، دعوة نخبةٍ من الطبقة العاملة لاجتماعاتٍ تقوم خلالها بالتصفيق لخطابات القادة، وبالمصادقة بالإجماع على القرارات المقترحة...". ومع تفهم القائدة الثورية الألمانية لاضطرار القيادة البلشفية للدفاع عن الثورة واتباع تكتيكاتٍ معينة في ظروفٍ صعبة من أجل هذا الهدف، رأت خطورةً في تحويل هذه "الحاجة" الظرفية الى "فضيلة"، عبر تحويل "هذه التكتيكات التي فرضتها ظروفٌ قاهرة الى بنية نظرية متكاملة" يتم "تقديمها الى البروليتاريا العالمية كنموذجٍ للتكتيكات الإشتراكية"، كما كتبت.

وإنجازاتٌ هامة، بالرغم من الإخفاقات:
يبقى أن نشير الى أن انهيارات أواخر القرن العشرين، وخاصةً انهيار التجربة السوفييتية، لا تلغي، بالطبع، كون التجربة شهدت، بالرغم من هذه النواقص والثغرات التي سهّلت انهيارها، إنجازاتٍ هامة على الصعيد الداخلي، كما كانت لها، في الوقت ذاته، انعكاساتٌ إيجابية لا يمكن الإستهانة بها خارج البلد وفي أنحاء العالم، بدءً بالبلدان الأقلّ تطوراً في العالم، بلدان ما بات يُعرف منذ أواسط القرن العشرين بـ"العالم الثالث"، والتي كان قسمٌ كبيرٌ منها يرزح تحت السيطرة الإستعمارية المباشرة في السنوات الأولى للثورة البلشفية.

فالإتحاد السوفييتي نفسه، الذي عانى من موجاتٍ من القمع الداخلي الواسع، خلال الثلاثينيات خاصةً، شهد، بالمقابل، تطوراً هائلاً، خلال فترةٍ زمنيةٍ وجيزة، في مجالات التعليم والتطوير العلمي والتقني، كما في توفير ضماناتٍ إجتماعيةٍ واسعة للمواطنين. ومن المثير فعلاً أن هذا البلد، الذي تعرّض لنزفٍ بشريٍ وبنيويٍ وإقتصاديٍ هائل وغير مسبوق خلال الحرب العالمية الثانية، حيث خسر ما قد يصل الى ثلاثين مليون ضحية، بين عسكريين ومدنيين، وشهد دمار العديد من المدن والبنى التحتية والمرافق الإقتصادية، تمكّن، على سبيل المثال لا الحصر، خلال أقلّ من عقدين على نهاية هذه الحرب من التفوق على كل دول العالم في مجال الفضاء، بإرساله أول قمرٍ صناعيٍ يدور حول الأرض في أواخر الخمسينيات الماضية، ثم بإرسال أول إنسانٍ الى الفضاء، وهو يوري غاغارين، في العام 1961 تحديداً. وولوج الفضاء، الذي أصبح الآن يعتبر أمراً عادياً، كان يفترض، آنذاك، توفُّر قاعدةٍ متطورةً جداً في مجالاتٍ متعددة من العلوم والتقنيات لتحقيقه.

وبالفعل، كان مسلماً به في الأوساط العلمية العالمية، منذ أواسط القرن العشرين، بأن الإتحاد السوفييتي شهد تقدماً كبيراً في مجالاتٍ علمية عديدة، في الرياضيات والفيزياء، بشكلٍ خاص، كما في غيرهما من العلوم. ولكن، في الوقت الذي كان فيه علماؤه ومثقفوه الكثر يسجّلون العديد من الإختراعات والإكتشافات الجديدة في شتى المجالات العلمية، كان النظام الإداري السوفييتي الممركز لا يسهّل التوظيف السريع لهذه الإختراعات في الصناعات التطويرية والإستهلاكية للبلد، كما كان يحدث في البلدان الرأسمالية المتطورة، التي كانت تشهد تنشيطاً متواصلاً لحركة السوق وتشجيعاً للإبتكارات الجديدة التي يمكن توظيفها تجارياً لتساهم في توليد احتياجاتٍ إستهلاكيةٍ جديدة للناس، تخدم السعي الدائم لزيادة الأرباح لدى أصحاب السلطة الإقتصادية (والسياسية بالتالي). وحتى التفوّق السوفييتي في مجال الفضاء لم يدم طويلاً، حيث عاد الأميركيون ليحتلوا الصدارة منذ أواخر الستينيات بوصول رجال فضائهم، قبل غيرهم، الى القمر في أواسط العام 1969.

ويمكن القول أن الإقتصاد السوفييتي، الذي تنامى بسرعةٍ كبيرةٍ في عقوده الأولى، بدءً بمجالات الصناعات الثقيلة، بما يشمل الصناعات العسكرية، لم يلبث أن تباطأ وتعثّر في مراحل لاحقة. وتضاف الى العامل الداخلي، الذي أشرنا اليه، تحركات وجهود القوى الخارجية المعادية للمشروع الإشتراكي الهادفة لعرقلة التجربة السوفييتية، وهي مساعٍ لم تتوقف منذ اللحظات الأولى للثورة، لا بل شهدت تصعيداً إضافياً في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، كما أوردنا، عندما قررت إدارة رونالد ريغن الأميركية تصعيد سباق التسلح بغرض إرهاق واستنزاف الإقتصاد السوفييتي، بدءً بالعمل على عسكرة الفضاء الخارجي، من خلال البرنامج التسليحي المعروف باسم "مبادرة الدفاع الإستراتيجي"، والذي اشتهر على نطاقٍ أوسع بالإسم الفني: "حرب النجوم".

ولا يمكن أن نغفل، في سياق الحديث عن الإنجازات الكبيرة للتجربة السوفييتية، ذلك الإنتصار الهائل الذي سجّله جيش الإتحاد السوفييتي ومتطوعوه وشعبه على المشروع الحربي النازي، بعد المراحل المأساوية الأولى التي واجهها البلد بعد اجتياحات حزيران/يونيو 1941 والحصارات الرهيبة التي تعرّضت لها المدن الرئيسية في البلد. حيث تمكّنت القوات السوفييتية بعد كسر حصار ستالينغراد في مطلع العام 1943، وهي نقطة التحوّل الرئيسية في مجرى الحرب العالمية، من دفع الغزاة خارج البلد والبلدان المتاخمة له، ولاحقتهم الى عقر دارهم، فسيطرت على العاصمة الألمانية برلين. وهو التطور الذي آذن بانتهاء الحرب العالمية على الجبهة الأوروبية، بعد خمسة أعوامٍ ونيف من المجازر الرهيبة غير المسبوقة في التاريخ البشري.

كما لا يمكن التبخيس من أهمية انعكاسات الثورة البلشفية على بلدان العالم، وخاصةً تلك البلدان التي كانت خاضعةً لسيطرة الدول الإستعمارية في ما كان يطلق عليه القادة البلاشفة تعبير "الشرق"، والمقصود آنذاك آسيا وإفريقيا بشكلٍ خاص. فمنذ السنوات الأولى للنظام الثوري الجديد، بدأت القيادات البلشفية بتوجيه "نداءاتٍ لشعوب الشرق" للنهوض والتخلّص من ربقة السيطرة الإستعمارية، وهي نداءاتٌ كان لها، في عشرينيات القرن الماضي، صداها الكبير، كما يقرّ بذلك القادة المؤسسون للحركات الثورية التحررية في الصين وفييتنام وبلدانٍ أخرى.

ومن المؤكّد أن مجرد وجود الإتحاد السوفييتي، على أرضية التوازن الذي حقّقه مع الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ناهيك عن دوره المباشر في دعم الثورات التحررية في حالاتٍ عدة، شكّل عاملاً هاماً في نجاح العديد من حركات التحرر الوطني في أنحاء العالم. وبدورها، ألهمت نجاحات الحركات الثورية الأخرى، التي استجابت للدعوات الإستنهاضية التي انطلقت من بلد "ثورة أكتوبر"، شعوباً أخرى في أنحاء العالم في مراحل لاحقة، وخاصةً، منذ الثلاثينيات والأربعينيات الماضية، تجارب بلدانٍ مثل الصين وفييتنام وكوبا.

وبغضّ النظر عن الإنعكاسات السلبية لبعض التكتيكات المربكة التي مارستها القيادات السوفييتية في بعض المراحل، سواء في أواخر الثلاثينيات عشية الحرب العالمية، أو بعد انتهاء الحرب واندلاع ما عُرف باسم "الحرب الباردة"، إنطلاقا من اعتباراتٍ وحساباتٍ سياسية ودبلوماسية ظرفية، بقي التأثير السوفييتي على امتداد مناطق "العالم الثالث"، بما يشمل عالمنا العربي، في محصلته العامة، تأثيراً إيجابياً. وليس أدلّ على ذلك من الإنعكاس السلبي لغياب الإتحاد السوفييتي على أوضاع منطقتنا العربية منذ مطلع التسعينيات الماضية، بما في ذلك وخاصةً على أوضاع حركة التحرر الفلسطينية.

الأمر كان مختلفاً، بعض الشيء، بالنسبة للبلدان المتطورة إقتصادياً وصناعياً، بدءً ببلدان أوروبا الغربية المجاورة للإتحاد السوفييتي. ففي المراحل الأولى للتجربة السوفييتية، كانت هناك جاذبيةٌ ملموسة للنموذج الإقتصادي – الإجتماعي السوفييتي في أوساطٍ شعبيةٍ متزايدة في هذه البلدان، نظراً لما كان يوفّره النظام السوفييتي من ضماناتٍ ملموسة للمواطنين بالعمل والتعليم والرعاية الصحية في كل مراحل حياة الإنسان، وهي ضماناتٌ لم تكن متوفرة في البلدان الرأسمالية المتطورة آنذاك. وهكذا، أخذت تتشكّل أحزابٌ شيوعية في العديد من بلدان أوروبا الغربية ودولٍ رأسماليةٍ متطورة أخرى في أنحاء العالم، وبعضها نما حضوره وقوته، عشية الحرب العالمية الثانية، وبشكلٍ أكبر بعدها، بحيث بات لبعض هذه الأحزاب تأثيرٌ قويٌ على المشهد السياسي في بلدانها، كما كان الحال في بلدان مثل إيطاليا وفرنسا بين أواخر الأربعينيات وأواسط الثمانينيات. وهذه الجاذبية تزايدت مع تفاقم وتلاحق الأزمات الإقتصادية في العالم الرأسمالي، بدءً من الأزمة الإقتصادية الطاحنة التي اندلعت في العالم الرأسمالي في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، وهي الأزمة التي كان الإتحاد السوفييتي البلد الوحيد  الذي لم يتأثّر بها. كل هذه الوقائع دفعت العديد من القوى الحاكمة في البلدان الرأسمالية، والتي كانت تواجه، في الوقت ذاته، نضالات قطاعاتها العمالية والشعبية المتزايدة الحيوية، لتقديم تنازلاتٍ ولاعتماد سياساتٍ إجتماعية تستجيب، ولو بأشكالٍ جزئية، لمطالب هذه القطاعات الشعبية، من خلال تحسين شروط العمل وتوفيرٍ متزايد للضمانات الإجتماعية. وهو ما برز، بشكلٍ خاص، بعد الحرب العالمية الثانية، حتى في بلدٍ مثل بريطانيا، لم تكن الحركة الشيوعية المنظمة قويةً فيه.

لكن النموذج السياسي السوفييتي، نموذج الحزب الواحد والنظام شديد المركزية، الذي كانت تغيب فيه حرية التعبير والتنظيم، ومجمل الحريات الديمقراطية السياسية، لم يكن، بالمقابل، يبدو جذاباً لقطاعاتٍ متزايدة من الجمهور في البلدان المتطورة صناعياً، وخاصةً مع تنامي دور وحجم المجتمع المدني في هذه البلدان، وتزايد الوعي بأهمية حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية، التي كان يجري تعزيزها وتطويرها في هذه البلدان نتيجة مواجهاتٍ وصراعاتٍ داخلية مع القوى الرأسمالية المسيطرة فيها. ونتيجة نضالات وتضحيات القطاعات الطليعية في هذه البلدان خلال عقودٍ طويلة، بما في ذلك خلال العقود الثلاثة الأولى التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهدت القطاعات الشعبية في هذه البلدان تحسناً نسبياً مضطرداً في أوضاعها. الى أن عادت القوى الرأسمالية المسيطرة، منذ أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، لتقوم بهجومٍ مضاد جديد بهدف الإنتقاص من هذه المكاسب الشعبية والإلتفاف على الحقوق المنتزعة، من خلال جملةٍ من التحركات والإجراءات شملت محاصرة القوى العمالية وضرب النقابات الفاعلة والتلاعب بالإقتصاد العالمي وآليات تثمير الرأسمال المالي، الى جانب خوض حربٍ أيديولوجية شرسة ضد الخيارات والأفكار اليسارية والتقدمية، وهي مرحلة صعود ما عُرف بالنيوليبرالية، أو الليبرالية الجديدة. وفي تلك الحقبة تحديداً، وصلت الأحزاب العمالية، واليسارية عامةً، في البلدان الرأسمالية المتطورة الى سقفٍ معينٍ في شعبيتها، ثم أخذت تفقد شيئاً فشيئاً من نفوذها، خاصةً خلال الثمانينيات، التي كانت تشهد في الوقت ذاته، كما سبق وذكرنا، انكشاف نقاط ضعف التجربة السوفييتية.

ومع انهيار مجمل التجربة السوفييتية في مطلع التسعينيات، تزايد ضعف وهشاشة هذه الأحزاب اليسارية، وتراجع حجم جمهورها الى حدٍ كبير، وتحوّل بعضها أو قطاعاتٌ منها الى نهجٍ أقرب الى التيار الإشتراكي الإصلاحي المعروف منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى باسم الإشتراكية الديمقراطية، أو التيار الإجتماعي – الديمقراطي. وهو ما حصل، على سبيل المثال لا الحصر، في إيطاليا. في حين ذهب قسمٌ من جمهور الأحزاب اليسارية في هذه البلدان باتجاه أحزابٍ شعبوية يمينية، بما في ذلك في بلدان أوروبا الشرقية التي انهارت أنظمة التحول الإشتراكي فيها.

الأفكار الثورية الكبرى تحتاج لمراحل زمنية طويلة لتشقّ طريقها:
والآن، بعد انهيار هذه التجربة الإستثنائية في تاريخ البشرية المعاصر، تطرح تساؤلاتٌ مشروعة بشأن مصير الأفكار والتوجهات الكبرى التي  حملتها هذه التجربة معها. وبالإمكان هنا الإسترشاد بقراءة مصائر تجربةٍ ثوريةٍ أخرى سبقت الثورة البلشفية بقرنٍ ونيف، هي تجربة الثورة الفرنسية، التي اندلعت في أواخر القرن الثامن عشر. فهذه التجربة لم تقد الى نجاحٍ سريع لأهداف هذه الثورة، بل سرعان ما شهد البلد نفسه، أي فرنسا، ردةً يمينية، وصلت الى حدّ عودة النظام الملكي في العام 1815 الى البلد، بعد زهاء العقدين على الإطاحة به، وعودة مجمل الأنظمة والقوى المحافظة في عموم أوروبا لفرض هيمنتها على القارة لعقودٍ طويلة، الى أن عادت قوى التغيير في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لإدخال عددٍ من الإصلاحات التي كانت الثورة الفرنسية قد رفعت راياتها، سواء في بلد تلك الثورة، أو في بلدانٍ أوروبية أخرى. وبالرغم من هذا التقدم الكبير الذي أُحرز في عدة مجالات في فرنسا وفي غيرها من بلدان أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين، ما زالت، حتى يومنا، بعض شعارات الثورة الفرنسية أقرب الى التمني منها الى التطبيق الفعلي، بما في ذلك شعار "المساواة" الشهير، الذي يدخل في الواقع في برنامج المرحلة الأكثر تقدماً في تاريخ البشرية.

وهكذا، فإن انتكاس التجربة الثورية في الإتحاد السوفييتي، وفي روسيا نفسها، وتراجع نفوذ القوى التي كانت تحمل أفكارها وطموحاتها، لا يعني نهاية المطاف بالنسبة لمصير هذه الأفكار والطموحات، كما يؤشّر لذلك صعود القوى اليسارية في بعض بلدان العالم، وخاصةً في أميركا اللاتينية، بعد سنواتٍ قليلة على انهيار التجربة السوفييتية. فهذه الأفكار والطموحات ستبقى ضمن أحلام وتطلعات البشرية الكبرى، التي ستجد، بالضرورة، ترجماتٍ متجددة لها في السنوات والعقود، وربما القرون، المقبلة. فحلم المجتمع الإنساني الفاضل، حلم البشرية بالعدالة الحقة واحترام حقوق وكرامة الإنسان، كل إنسان، في كل مكانٍ وزمان، وارتقاء المسيرة البشرية الى مستوى أعلى من الرقي والإلتزام بالقيم الإنسانية الأسمى، سيبقى على جدول أعمال البشرية، مهما طال الزمن.

* كاتب ومفكر فلسطيني- رام الله. - dtal18.83@gmail.com