2017-11-06

إتمام المصالحة وسلام نتنياهو..!


بقلم: مصطفى إبراهيم

ينتظر الغزيون إتمام المصالحة بشغف أكثر من غيرهم من باقي عموم الشعب الفلسطيني، حيث يعيش 2 مليون فلسطيني منذ 11 عاما في حصار وظروف رهيبة وحالة إنسانية كارثية على جميع الصعد، وتهديد إسرائيلي مستمر بشن حرب رابعة، إضافة الى الحروب الصغيرة التي شنتها إسرائيل خلال العقد الماضي هنا أو هناك.

كما أن حرب الكارثة الإنسانية وشظف الحياة ليست أقل إيلاماً وحزناً من الحرب النفسية في انتظار اتمام المصالحة، والآمال المعقودة عليها بتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتوحيد جهود المنقسمين لإستمرار معركة البناء والتحرر الوطني. وفي وقت بدأوا يشعرون بفقدان الثقة وعدم اليقين وتراجع سقف توقعاتهم من جدية المسؤولين الفلسطينيين وقدرتهم على توحيد الصفوف وإعادة إعمار مشروعهم الوطني والاتفاق على برنامج وطني مشترك.

الفلسطينيون فقدوا الامل في تراجع الرئيس محمود عباس عن العقوبات التي فرضها على قطاع غزة قبل ستة أشهر بتقليص كميات الكهرباء المستوردة من إسرائيل، والخصومات من رواتب الموظفين، وتحويلات المرضى للعلاج في الخارج، وقرارات مجزرة التقاعد الذي تنفذ شهريا ضد الموظفين الحكوميين.

وعلى الرغم من الوضع الكارثي الذي حل بالقضية الفلسطينية، وتيقن الفلسطينيين أن الحديث عن إتمام المصالحة هو ضمن سياق أمريكي دولي إقليمي عربي، والبدء في عملية تسوية للقضية الفلسطينية، وإدراكهم ان هذه التسوية هي لتصفية القضية الفلسطينية، ومع ذلك يروا ان البدء في اجراءات إتمام المصالحة داخليا أولوية مقدسة، ومن الممكن أن تكون المصالحة مدخلاً لإعادة الاعتبار لقضيتهم في مواجهة إسرائيل وتوحشها ومحاولتها فرض رؤيتها الإستراتيجية الاستعمارية، والأمنية خدمة لمصالحها وضمان الحفاظ على أمنها، وهي غير مقتنعة ولا تسعى للتقدم في ما يسمى العملية السياسية.

إسرائيل لا يوجد في قاموسها عقد سلام حقيقي، فالسلام الذي تريده ويريده نتنياهو ومن سبقوه من القادة الصهاينة هو السيطرة على ما تبقى من أرض فلسطين في القدس والضفة الغربية.

في مقال للصحافي وداعية السلام الإسرائيلي أوري أفنيري نشر قبل شهرين تحت عنوان "كي لا نكون مثل الصليبيين"، والذي قارن فيه بين المشروع الصليبي في احتلال فلسطين، والمشروع الصهيوني، يقول ان المشروع الذي تأسس على تحرير "الأرض المقدسة" من العدو الأزلي المتمثل بالمسلمين، وهو ما حال مسبقا دون أية إمكانية للسلام مع "أعداء الله"، بالمقابل فإن الصهاينة يتحدثون عن السلام بدون توقف، حتى أنه لا يمر أسبوع دون أن يتحدث نتنياهو عن توقه للسلام، لكن بات واضحا أنه لا يحلم بإعادة سنتيمتر واحد من الأرض الواقعة غربي نهر الأردن، وصرح، مؤخرا، أنه لا يعتزم إخلاء أي مستوطنة من الضفة الغربية".

الغزو الصليبي لفلسطين إستمر نحو 190 عاماُ، بالحديد والنار وحروب الابادة والقتل وعقد المصالحات والتسويات، وفي النهاية زال الإستعمار الصليبي وبقيت فلسطين وشعبها، ولم تسعف الدولة الصليبية القوة ومعاهدات التسوية التي وقعتها مع بعض السلاطين والأمراء المسلمين في الممالك المحيطة بفلسطين واستغلال الخلافات بين أولئك السلاطين والأمراء في عقد تحالفات بعضهم ضد البعض الآخر.

وما يجري الان من علاقات سرية ظهرت الى العلن بين اسرائيل وبعض الدول العربية وتطبيع العلاقات بينهما وإدعاء اسرائيل انها مع المحور الاسلامي السني لمواجهة ايران هو في ذات السياق التاريخي وبعض النماذج الذي تحالفت مع الصليبيين وغيرهم من الغزاة والني عاشتها الامة الاسلامية وفلسطين من ضمنها عبر مراحل تاريخها. الانظمة العربية لا تحترم شعوبها وتاريخها وإمكاناتها ومواردها وتغيب العدالة، لذا تعتبر نفسها شريكة مع إسرائيل بعقد تحالفت معها على حساب مصالحة الأمة العربية، ويغضون الطرف عن التوحش الإسرائيلي للحفاظ على عروشهم.

الدول والحضارات لا تبقى على حالها وتبقى الامم والشعوب التي تنهض من جديد وبناء ما تدمره الغزوات والحروب والقتل ومحاولات الإبادة، وإسرائيل المتوحشة تحاول ان تسير على خطى الدولة الصليبية في بناء القلاع والحصون وعقد تسويات امنية خدمة لمصالحها ويتساوق معها بعض الزعماء العرب في عقد صفقة سلام جديدة، ونتنياهو يحاول الاستمرار في إدارة الصرع واقناع المجتمع الدولي خاصة دول اوروبا بان مصالحهم  مع اسرائيل وهي رأس الحرب في المشروع الغربي الاستعماري.

وكأنه يستذكر أقول مؤسس الحركة الصهيونية والاب الروحي لها ثيودور هرتسل في كتابه "دولة اليهود" أنه "سنخدم في فلسطين كجيش إنقاذ للحضارة (الأوروبية) ضد البربرية (الإسلامية) وجبل الهيكل (الحرم القدسي الشريف) الذي كان مقدسا لدى الصليبيين ما زال يشكل بؤرة صراع يومي". ويعود نتنياهو يكرر اقول هرتسل بنفس الطريقة اكثر عصرية وعنجهية في خطابه الموجه للأوربيين وقبولهم بإسرائيل كرأس حرب للمشروع الاستعماري القديم الجديد، هذه إسرائيل الذي يسعى البعض منا لعقد تسويات معها، ولم يجرؤا على عقد تسوية مع عموم الشعب الفلسطيني..!

العرب والفلسطينيون يسهلون مهمة نتنياهو وتوحش إسرائيل وتماهي امريكا واوروبا وبعض الدول العربية معها، غير أن الأهم نحن الفلسطينيون ومدى قدرتنا على مواجهة هذا التسونامي الذي نعيشه والعالم العربي وهذا الخراب في صفوفنا وانقاذ ما تبقى من صور جميلة مشرقة، ومواجهة نكبتنا المستمرة، فالقضية لم تعد التغلب على الظروف المعيشية فقط، انما انقاذ البشر وتعزيز صمودهم، وبث الروح والأمل فيهم من جديد بدل من البؤس والتفرد والإقصاء، وتغليب المصالح الوطنية وإتمام المصالحة على قاعدة الشراكة وترميم الخراب الذي طال البشر والمؤسسات التمثيلية.

* باحث وكاتب فلسطيني مقيم في غزة - Mustafamm2001@yahoo.com