2017-11-04

المصالحة وملف الرئاسة..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

تشكل الرئاسة الفلسطينية قلب النظام السياسي، وبؤرة كل التفاعلات السياسية الداخلية والخارجية.

والرئاسة الفلسطينية ليست مجرد منصب او مؤسسة بل برنامج ورؤية سياسية تحدد مسار العمل السياسي الفلسطيني. وهي القناة السياسية الوحيدة التي من خلالها يتم التواصل بالعالم الخارجي، وهي من تجسد القضية في المحافل والمنظمات الدولية، والتي من خلالها يتعامل العالم مع القضية الفلسطينية. وتستمد أهميتها ومحوريتها من محورية وعدالة وشرعية القضية الفلسطينية.

وفي هذا السياق منصب الرئاسة تحدده محددات خارجية، ولا بد من توافر شروط سياسية في المرشح الرئاسي. وعليه فإن إختيار الرئيس الفلسطيني له جانبان داخلي تحكمه عملية الإنتخابات والإختيار الشعبي إستنادا لبرنامج سياسي يعتبر إستفتاء عليه، والجانب الخارجي ببعديه الإقليمي والدولي إذ يجب ان يحظى الرئيس الفلسطيني بالشرعية الإقليمية والدولية من خلال برنامجه السياسي، وخصوصا ما يتعلق الأمر بخيارات السلام والمفاوضات مع إسرائيل.

وتوضيحا العالم لن يعتر ف، ولن يقبل التعامل مع رئيس فلسطيني حتى لو كان منتخبا يؤيد خيارات العنف والمقاومة المسلحة، وعدم الإعترا ف بإسرائيل. لكن ليس معنى ذلك ان لا يتمسك ويدافع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، وهذه هي المعادلة الصعبة في إختيار الرئيس.

الرئاسة الفلسطينية حالة معقدة، مركبة، تفوق في أهميتها أي رئاسة اخرى، وهذه الأهمية مستمدة من القضية الفلسطينية كونها قضية دولية أساس، ووجهها الآخر إسرائيل التي تربطها علاقة تحالف بالولايات المتحدة، وإرتباط الرئاسة بإستمرارية القضية من تسويتها.. انه رئيس يمارس مهام رئيس الدولة، ويمارس مهامه كمقاوم سياسي لإنهاء الإحتلال.

ويأتي ملف الرئاسة من ضمن المنظومة السياسية الفلسطينية الشاملة، التي تحتاج لإعادة بناء من خلال الإنتخابات وتجديد الشرعية السياسية، من خلال تفعيل الدور الشعبي، والتفويض السياسي الجديد. لكن ما يميز ملف الرئاسة انه لا يحتاج إلى تأجيل، فهو من الملفات الحيوية والملحة والتي لا تحتاج أي تأجيل وإرتباط بالمصالحة، والقرار السياسي الفلسطيني بها.

الرئيس محمود عباس يؤكد دائما انه لا يريد ان يعيد ترشيح نفسه لإنتخابات الرئاسة، وان هدفه إستعادة الوحدة والمصالحة الوطنية. ولذا يستوجب ان يحظى هذا الملف بالتوافق والإتفاق بين حركتى "فتح" و"حماس" وبقية الفصائل في إطار منظمة التحرير، والإتفاق على الآلية التي يتم من خلالها شغل هذا المنصب.

وهنا قد يبرز اكثر من سيناريو: السيناريو الأول، وهو السيناريو الأمثل، إجراء الإنتخابات الرئاسية أولا، وفي ظل التوافق والمصالحة السياسية، وفي ظل المحددات والخصائص التي ينبغي ان تتوفر في المرشح للرئاسة الفلسطينية ومعرفته المسبقة والملزمة بالمشروع السياسي الذي تقره منظمة التحرير، وفي ظل توفر الضمانات الإقليمية والدولية لإجراء إنتخابات نزيهة وحرة الممارسة من قبل المرشحين للرئاسة.. ووفقا لهذا السيناريو يتم تسليم الرئاسة بطريقة سلمية سلسة، وتحظى بالشرعية والقبول الإقليمي والدولي. هذا السيناريو قد تكون إحتمالاته قليلة.

وعليه السيناريو الثاني دعوة المجلس التشريعي للإنعقاد وإختيار رئاسة جديدة للمجلس تتولى شخصية مستقلة توافقية رئاستها، وهي الشخصية التي قد تتولى الرئاسة تحت أي سبب من اسباب خلو منصب الرئيس. وبعدها ستجرى إنتخابات رئاسية قد تقود للسيناريو الأول بكل صعوباته وتحدياته. لكن هذا السيناريو الأكثر واقعية.

واما السيناريو الثالث وهو سيناريو مستبعد  نظرا لرئاسة "حماس" للمجلس، وتولىها للرئاسة قد يفرض ضغوطات إقليمية ودولية، ومعارضه قوية من حركة "فتح" الحريصة على إحتفاظها بمنصب الرئاسة. وقد يفرض أيضا ضغوطات على حركة "حماس" بفرض شروط سياسية عليها أن تلتزم بها من بينها الإعتراف يإسرائيل. اضف لذلك القيود التي تفرض على حركة الرئيس وفقا لهذا السيناريو، وعزله في غزة.

هذه السيناريوهات يقابلها سيناريو يبدو المخرج في حالة عدم إجراء الإنتخابات، وهذا السيناريو يقوم على وجود شخصية دولية جديدة لفلسطين بحصولها على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، وهنا الدولة تجب السلطة، ويصبح إختيار الرئيس ليس لرئاسة السلطة بل لرئاسة دولة فلسطين، وهنا تقوم منظمة التحرير بتفعيل قيادتها وتوسيعها، بإختيار أمين سر المنظمة الذي يتولى رئاسة الدولة في حال شغور المنصب. وهذا هو السيناريو الأكثر إحتمالا وواقعية، وهو الذي يشكل مخرجا لعقدة وإشكالية الرئاسة، ويضمن إستمرارية المصالحة وعدم بروز هذه الإشكالية السياسية التي قد تطيح بكل عملية المصالحة السياسية الشاملة.

ويبقى الرئيس محمود عباس رئيسا وتجدد شرعيته بخروج الجماهير لتجدد له عبر إستفتاء جماهيري، لكن هذا السيناريو يحتاج بالمقابل دعوة السلطة التشريعية، والحل الوحيد كما في عقدة غورديه بإستئصال المشكلة من جذورها بإجراء الإنتخابات الفلسطينية الشاملة لكل المنظومة السياسية الفلسطينية على مستوى منظمة التحرير والسلطة..

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com