2017-11-02

المصالحة والانتخابات..!


بقلم: محسن أبو رمضان

في جميع حوارات المصالحة الوطنية والتي تمت بين حركتي "فتح" و"حماس" وابرزها اتفاق القاهرة 2011 والتي باركتها وايدتها باقي فصائل العمل الوطني وقوى المجتمع المدني، جرى ادراج الانتخابات كواحد من الخطوات التي يجب ان يتم تنفيذها على طريق إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعيته من خلال إرادة المواطنين الحرة، أي عبر الانتخابات العامة التي تعطلت جراء تداعيات الانقسام وادت إلى غياب المؤسسات التمثيلية وآليات المسائلة والمحاسبة والمشاركة سواءً لمؤسسات السلطة أو المنظمة.

لقد جرت انتخابات الرئاسة قبل 12 عاماً والمجلس التشريعي قبل 11 عام ولم تجر انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني التابع لـ "م.ت.ف"، الامر الذي أدى إلى تكلس النظام السياسي بكافة مكوناته والتي جميعها تحتاج إلى إعادة الشرعية المستمدة من إرادة المواطنين وعبر صندوق الاقتراع.

إن تدخل الاحتلال بانتخابات عام 2006 والتي جرت للمجلس التشريعي سواءً عبر فرض شروط الرباعية على الحكومة والتي نشأت بعد الانتخابات او عبر الاعتقال المباشر للعديد من النواب ومنع الحركة بين القطاع والضفة كما ان غياب عقد اجتماعي متوافق عليه بين الفلسطينيين على مستوى الرؤية الوطنية المشتركة والرؤية الخاصة بإدارة الحياة المجتمعية، خاصة بعد التعديلات التي جرت عام 2003 على القانون الأساسي الفلسطيني استجابة للضغوطات من الرباعية الدولية آنذاك وازدواجية الصلاحيات ما بين الرئاسة ورئاسة الوزراء وغيره من الثغرات والمعيقات، دفع المراقبين والمهتمين بالشأن الوطني للحديث عن أهمية تجميد الانتخابات أو عدم اجرائها من أساسه، خاصة إذا ادركنا ان انتخابات عام 2006 قد مهدت لأحداث الانقسام المأساوية والمؤسفة في العام 2007.

وعليه فقد سادت وجهتين نظر واحدة تدفع باتجاه الانتخابات كآلية وحيدة لحسم الخلافات وانهاء الانقسام وأخرى تطالب بالتأجيل أو عدم اجرائها واستبدالها بالتوافق على آلية الشراكة في اطار بنية النظام سواءً فيما يتعلق بالسلطة او المنظمة.

اعتقد ان دفع مسار المصالحة الوطنية إلى الأمام يتطلب الشراكة حتى يتم إعادة تركيب قطار المصالحة على السكة الصحيحة وحتى لا يتم تكرار التجارب السابقة بمحطات المصالحة والتي أصابت المواطنين بخيبة أمل كبيرة جراء نكوصها وعدم نجاحها.

ان الشراكة لا تعني المحاصصة او اتفاق الحركتين الكبيرتين ولكنها تعني إعادة بناء وهيكلة ودمقرطة وإصلاح بنية النظام السياسي برمته، الامر الذي يلزم الجميع بالرجوع إلى صندوق الاقتراع والاحتكام إلى إرادة المواطنين الحرة وبصورة دورية ومنتظمة وليس لمرة واحدة.

لا يستقيم الحديث عن المصالحة والشراكة دون الحديث عن الانتخابات بحجج مختلفة، ولا يعنى الأمر هنا اجرائها دون مقدمات ودون اتخاذ سلسلة من إجراءات بناء الثقة، والتي من الضروري ان تتوج باجراء الانتخابات كوسيلة وحيدة للتداول السلمي للسلطة والمشاركة والمساءلة، لأنها الوسيلة التي تجدد الشرعية وتعيد تشكيل النخب وتعطى المجال للشباب والمرأة والقطاعات الاجتماعية والسياسية للمشاركة والتمثيل، حيث ان بديل ذلك يعني إبقاء النخب والأحزاب والبنى القائمة سيدة على رأس النظام بما يعني ذلك استمرار القديم على قدمه دون اية افاق للتغير.

ان إعادة بناء المنظومة الإدارية والأمنية والقضائية والقانونية يعتبر من أولويات المصالحة والذي يجب ان يتوج بتحديد جدول زمني لاجراء الانتخابات العامة كتتويج لحالة بناء الثقة وانهاء التصدع في هياكل واطر بنى النظام السياسي.

لا بأس ان تبدأ الانتخابات بالبنى والمؤسسات ذات الطابع الشعبي والأهلي والمدني كالبلديات والنقابات ومجالس الطلبة بالجامعات، وذلك وفق قانون التمثيل النسبي، لان ذلك سيمهد بالضرورة وسيساهم بتوفير مناخات من الثقة للدخول في مسار الانتخابات العامة والتي تعتبر استحقاقاً وطنياً وديمقراطياً عدا عن كونها استحقاقاً لاتفاق القاهرة 2011 والذي جرى الاتفاق مؤخراً بان يكون مرجعية المصالحة الوطنية.

من قال ان الانتخابات هي عملية ترفيه بل هي عملية نضالية حيث ستواجهها دولة الاحتلال الأمر الذي يتطلب اعتبارها كعملية كفاحية ومقاومة وتساهم في كشف زيف الاحتلال وتعرية امام المجتمع الدولي بوصفه مانعاً للديمقراطية ولحق تقرير المصير ولإرادة المواطنين بما يعنى أهمية التفكير بوظيفة الانتخابات كأداة تحررية وديمقراطية في نفس الوقت.

إن استنهاض الحالة الوطنية يتطلب الاتفاق على برنامج سياسي واستراتيجية عمل وطني فلسطيني موحدة ليأخذ قرار الحرب والسلم بصورة جماعية ومشتركة وبما يخدم القدرة على تحقيق الأهداف الوطنية باعتبار ان برنامج الحد الأدنى المشترك والذي أسس له الاسرى في وثيقة الوفاق الوطني عام 2006 كقاعدة أساس يمكن البناء عليها بما يتطلب إعادة بناء "م.ت.ف" على قاعدة تضمن الشراكة بعيداً عن الاقصاء والهيمنة.

يوجد جيل كامل من الشباب لم يعرف الانتخابات ولم يتوجه إلى صندوق الاقتراع ولم يمارس حقه باختيار ممثليه، الأمر الذي يتطلب الدفع باتجاه الانتخابات بوصفها ثقافة مدنية تنويرية وحضارية بدلاً من ثقافة الانقسام او الاقصاء او اخذ القانون باليد.

إن استعادة الحالة الديمقراطية المفقودة والتي تراجعت كثيرا خلال سنى الانقسام يتطلب أعادة بث الحياة بالهيئات التمثيلية الجمعية وهذا لا يتم بدون الانتخابات، التي يجب ان يتم تحديد برنامج زمني للوصول اليها بعد بناء خطوات من الثقة الضرورية بين جميع الأطراف.

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - muhsen@acad.ps