2017-11-01

يوميات مواطن عادي (75): مهام السفر الخارجي.. سياحة وتسوق أم تكليف وعمل؟


بقلم: نبيل دويكات

والمقصود بالسفريات الخارجية حين يجري تكليف موظفين أو أشخاص معينين بمهام السفر خارج البلاد لتمثيل هيئات عامة أو خاصة أو اهلية في أنشطة وفعاليات محددة، ويشمل ذلك طيفاً واسعاً من المهام التي لا تنحصر فقط في حضور الاجتماعات والندوات والمؤتمرات العربية والاقليمية والدولية، أو التدريب وبناء القدرات، أو التشبيك وبناء العلاقات، أو المساهمة في حملات التعبئة والمناصرة لصالح القضية الفلسطينية عموماً، بل وتشمل ايضاً مهام البحث والدراسة وتجنيد الدعم والاموال وتبادل التجارب والخبرات وغير ذلك من المهام التي تصب اجمالاً في مجرى النضال الوطني العام للمجتمع الفلسطيني وتحرره من الاحتلال، وسبل النهوض به وتنميته في مختلف المجالات.

ليس هناك أدنى شك في مدى أهمية مثل هذه المهام في تعزيز صلاتنا وعلاقتنا مع الهيئات والمؤسسات العربية والاقليمية والدولية المختلفة، وتطوير قدرتنا على مراكمة الانجازات في مختلف المجالات لصالح شعبنا ومجتمعنا ونضاله الوطني والاجتماعي، وفي كشف وفضح الاحتلال وسياساته المختلفة التي تقف كحجر عثرة أساسي في وجه تنمية وتطوير مجتمعنا، وعائقاً أمام مواكبتنا لتقدم وتطور الدول والمجتمعات البشرية الاخرى. واذا كان من هدف من فتح هذا الملف ونقاشه فمن المؤكد انه لن يكون بالتقليل من أهمية مثل هذه المهام أو انكارها، وإنما هو من اجل تسليط الضوء على الواقع القائم في هذا المجال، وكيفية تعاطينا معه، والسبل والامكانيات المتاحة من اجل تعزيز فعاليته، والتخلص من أية شوائب أو سلبيات تحول دون ذلك.

اعتقد أن تتبع هذا الموضوع في أروقة وكواليس الهيئات والمؤسسات المختلفة سيجد كما هائلاً من الحديث واللغط حول موضوع السفريات الخارجية، ويمكن تكثيف وإجمال ما يدور حول ذلك في محور  رئيسي يتعلق بالسياسات العامة المتبعة اجمالاً في المؤسسات المختلفة تجاه موضوع السفريات الخارجية. هل هناك سياسة عامة محددة ومعلنة في كل هيئة ومؤسسة؟ ما هي أهمية السفريات وفائدتها وكيف نقيس ذلك؟ من هي الجهة صاحبة القرار في هذا الموضوع؟ ما هي معايير اختيار الممثلين في كل مرة؟ هل هناك آليات للمتابعة؟ وهل هناك آليات للرقابة والتقييم؟ وهل هناك آلية لقياس النتائج والأثر؟ وغيرها الكثير من الأسئلة التي نسمع صداها يتردد بصورة مستمرة في الكواليس والاروقة.

تزداد اهمية نقاش هذا الامر اذا علمنا أن هناك متطلبات مالية وبشرية كبيرة ترتبط بمهام السفر، فعدا عن التغطية المالية الضرورية لنفقات التنقل والسفر والاقامة وبدل المياومات التي يتم منحها للمكلفين بالسفر فان هناك متطلبات اخرى تتعلق بالموارد البشرية المرتبطة بغياب المكلفين عن مواقع عملهم خلال فترة السفر، وتحمل الآخرين للمهام المنوطة بهم في العمل خلال فترة غيابهم.

نظرا للموارد الهائلة المستثمرة في ذلك، وتركز سلطة القرار في ايدي محدودة، فقد اصبح موضوع  اختيار من يتم انتدابهم مدخلاً للمتنفذين في المؤسسات المختلفة لشراء الولاءات وتعزيز سيطرتهم. حيث يتحول التكليف بمهام السفر بمثابة "عصا وجزرة" يستخدمها المتنفذون لتعزيز نفوذهم، ودعم مراكز قوتهم. ومن ناحية ثانية فان مركزة اتخاذ القرار وغياب الرقابة والمتابعة والتقييم وقياس الأثر يفتح الابواب أمام المشاركة في مؤتمرات ولقاءات ... وغيرها من الانشطة التي أقل ما يقال عنها انها لا تقدم أي خدمة، هذا إن لم نقل أن بعضها قد يكون ضاراً لشعبنا ومجتمعنا ومؤسساته المختلفة.

قابلت قبل أيام صديق لي كان عائداً من مهمة خارجية لحضور مهرجان دولي، وكنت قد تابعت بعض تفاصيل مشاركة الوفد الفلسطيني في ذلك المهرجان عبر وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي، خاصة ان تلك المشاركة ارتبطت بنقاش داخلي وعربي ودولي وسلسلة تحركات مناصرة للقضية الفلسطينية مناهضة لوجود وفد يمثل احد الاحزاب "الصهيونية" في المؤتمر. وحين سألت صديقي عن تفاصيل مشاركة الوفد الفلسطيني الممثل بعشرات المندوبين من قوى واحزاب ومؤسسات مختلفة من داخل فلسطين وخارجها، افادني بأن هناك الكثير منهم لم يتواجد اصلاً في فعاليات المؤتمر، وكان جزء كبير منهم يقضي أغلب وقته بالتجول في الأسواق والاماكن السياحية. صديق آخر قال لي أن أعضاء احدى الجمعيات "يتناحرون" بكل الوسائل للفوز بالحصول على "مهمة سفر". هذا يمثل نموذج، وبالطبع النموذج بشقيه السلبي والايجابي.

يتراوح المكلفون بمهام السفر والتمثيل في الفعاليات الخارجية بين من يقوم بمهامه بأفضل ما يمكنه ذلك، وبين من يعتبر ذلك فرصة للسفر والتجول والتسوق. أي أن هناك من يستعمل الموارد التي تستثمرها المؤسسة او الهيئة او الدولة لمهمة السفر وتمثيلها امام الهيئات المعنية بصورة ايجابية وذات مردود مفيد للجهة التي كلفته بذلك ولمجتمعه عموماً. وهناك من يستثمر ذلك من اجل تحقيق مكاسب فردية وشخصية وكأن المهمة أشبه برحلة سياحية شخصية له مدفوعة التكاليف، فضلا عن تغيبه عن عمله خلال فترة السفر. اما حدة المشكلة وعمق الخسارة فإنها تظهر اذا علمنا ان هناك بعض الافراد قد يصل عدد سفرياتهم خلال العام الى ما يزيد عن عشر مرات، واحيانا اكثر من ذلك بكثير. وقد يظهر عند التدقيق في تفاصيل مهام السفر اجمالاً ان هذه المهام تبقى محصورة عادة في افراد معينين في كل هيئة ومؤسسة، في حين يبقى غالبية الآخرين مستبعدين من مثل هذه المهام.

اختم مقالتي بطرفة يتم تداولها  كثيراً في أروقة المؤسسات، عند الحديث عن السفريات، للإشارة الى حجم القضية وطبيعتها عن أحد الاشخاص الذين اشتهروا بكثرة سفرياتهم، حيث التقاه شخص آخر في المطار في احدى سفراته  وسأله عن وجهة سفره هذه المرة، فأجابه ذلك الشخص بأنه حقيقة لا يتذكر إن كان مسافراً أم عائداً من السفر. خلاصة القول انه عند الدخول في الكثير من التفاصيل المرتبطة بهذا العنوان وتفاعلاته اليومية في هيئاتنا ومؤسساتنا العامة والخاصة. فان الحديث يدور عن استثمار مبالغ مالية كبيرة، عامة او خاصة. وسواء  كانت هذه الاموال تصرف من خزينة الدولة عامة، أو من اموال الدول المانحة للهيئات العامة أو الخاصة او الأهلية فان هناك اهمية بالغة لفحص ومتابعة آليات وكيفيات صرف هذه الاموال والموارد، وضمان شفافية ومصداقية مجمل هذه العملية ونتائجها، وعدا ذلك فان شبهات سوء الادارة والفساد وهدر المال العام تبقى قائمة طالما بقيت المعايير والضوابط خاضعة لاعتبارات متغيرة وغير واضحة المعالم وفي أيدي حفنة من المتنفذين.

* كاتب وناقد يقيم في مدينة رام الله. - Nabilsd2004@yahoo.com