2017-11-01

استحضار "كينان" لمحو الفلسطينيين وحزب الله


بقلم: د. أحمد جميل عزم

من تدمير نفق واستشهاد ثمانية فلسطينيين، إلى المخططات بشأن حركة المقاومة، وصولا لتحسين الاتصالات الاقتصادية والأمنية مع السلطة الفلسطينية، هناك معالم نظرية "احتواء" إسرائيلية، شبيهة بما اقترحه جورج كينان العام 1947، وأدى لاحقاً لانهيار معسكر الدول الاشتراكية، والهدف هذه المرة القضاء على الحركة الوطنية السياسية الفلسطينية.

في العام 1947 وبناءً على طلب وزارة الخارجية الأميركية النصح من دبلوماسييها في العالم، بشأن سبل مواجهة الاتحاد السوفياتي وخطر الشيوعية، أرسل القائم بالأعمل في السفارة في موسكو، جورج كينان (1931- 2005)، ما صار يعرف بالبرقية الطويلة، التي اقترح فيها سياسة تم تبنيها، وسميت بسياسة الاحتواء. وأهم معالم هذه السياسة عدم الدخول في مواجهة مع الاتحاد السوفياتي، بل حتى عدم استفزازه إعلامياً، ولكن بموازاة ذلك، يتم أولا، منع أي تمدد جغرافي للسوفييت، ويمنع ذلك حتى بالقوة العسكرية، فلا يسمح التواجد في كوبا أو فيتنام أو غيرها. أي أنّه على الشيوعيين أن يقنعوا بما حصلوا عليه بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يحاولوا التمدد عسكريّاً. في المقابل تجري المراهنة على سوء الأوضاع المعيشية تحت الحكم الشيوعي، ويجري إيصال رسائل بطرق مختلفة للشعوب التي تعيش تحت هذا الحكم، تقارن بين مدينة "متلألئة" أميركية، تعيش نجاحات النظام الرأسمالي، وشعوب تكتشف وهم الحياة الأفضل عبر الثورة الشيوعية المزعومة. بل إنّ رونالد ريغان، الرئيس الأميركي في الثمانينيات، عندما ورّط السوفييت بسباق تسلّح كان من أهدافه، أو نتائج خططه، استنزاف السوفييت مالياً لتخصيص مواردهم للسلاح بدل إنعاش حياة مواطنيهم، أكثر من استهدافه زيادة التفوق العسكري.

إذا تأملنا أحداث يوم الاثنين الفائت، يمكن ملاحظة معالم سياسة إسرائيلية شبيهة؛ فلقد تم قصف ومهاجمة نفق للمقاومة الفلسطينية في غزة، على الحدود مع الأراضي المحتلة عام 1948، ثم أعلن وبشكل مكثف أنّ الإسرائيليين لا يريدون التصعيد مع غزة. وفي حديث لوسائل إعلامية إسرائيلية يمنية، (كما تقول صحيفة الشرق الأوسط)، قال مسؤول أمني رفيع إنّه سيتم "فرض قيود على "حماس" لم تعهد مثله من قبل". بموازاة هذا التصعيد، أعلن عن لقاء جمع رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمدالله، ووزير المالية الإسرائيلي موشيه كحلون، وأنّ اللقاء كان بضغط مكثّف من المبعوث الأميركي لشؤون المفاوضات، الصهيوني جيسون غرينبلات، والهدف نقاش قضايا اقتصادية ومناطق صناعية لتحقيق تقدم اقتصادي، مع التسليم تقريباً بانتهاء فرص التقدم السياسي.

إذا ما أريد وضع هذه السياسات الإسرائيلية (والأميركية) في سياق برقية جورج كينان سالفة الذكر، فالمقصود الآن عدم التصعيد وعدم الدخول في مواجهات عسكرية، إلا في حالة مبادرة الفلسطينيين للعمل الفعلي عسكرياً، كما في حالة النفق، وهو ما يبدو أيضاً يشكل السياسة بشأن حزب الله في لبنان وسورية. ومقايضة الفلسطينيين بحاجات اقتصادية، بدءا من كهرباء غزة ومناطق صناعية في الضفة الغربية، مقابل الخضوع الضمني للاحتلال ولسيطرته على الاقتصاد والحدود والأمن، وبقاء التنسيق الأمني، مقابل بقاء الاعتراف بإسرائيل. ليس المطلوب انهيار الفلسطينيين اقتصادياً (كما هي الحالة مع السوفييت)، بل أن يمتلكوا الحد الأدنى، فيكون لديهم كَفاف يومهم، إلا نخبا محدودة، متعاونة، وذلك لأنّ الازدهار الاقتصاد المجتمعي، يعني بدء التفكير ببناء الذات، وتجاوز مرحلة الأزمة للتمرد والرفض والانطلاق. ولكن المطلوب أن تؤدي حالة الأزمة المستمرة التي يجري "تنفيسها" بين حين وآخر، الى انهيار الروح الوطنية، والفكرة الوطنية عموماً، وأن يتوقف الفلسطينيون عن رؤية أنفسهم كشعب، غالبية أفراده يعيشون في الشتات، مطرودين وممنوعين، من دخول وطنهم والانتماء له، وبقيته تحت الاحتلال، للانتقال لخطاب الحقوق الإنسانية والمعيشية، لا السياسية. بالمقابل يغرق حزب الله بالمشكلة الطائفية، ويعاني تبعات الحفاظ على حزب عسكري دون حرب ضد عدو خارجي.

من عوائق نجاح هذا المخطط، أن شرائح إسرائيلية كثيرة، وفي مقدمتها المستوطنون ووزراؤهم وحاخاماتهم و"بلطجيتهم" لا يقبلون الانتظار ويمارسون العنف كلما شعروا بتراخٍ فلسطيني شعبي. ثم إنّ انتشار الفلسطينيين في الداخل والشتات، وتراوح أوضاعهم بين لاجئين يعانون في المخيمات يريدون الخلاص، ونخب ثرية ومثقفة ومتعلمة، تستطيع المبادرة والتغيير، يجعل الاعتقاد بفرض السلبية على الفلسطينيين، أمرا يخالطه كثير من الوهم.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com