2017-10-31

غزة تودع شهداءها وتكظم غيظها..!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

في ظروف مختلفة وبعد قصف اسرائيلي يؤدي الى استشهاد سبعة من سرايا القدس وكتائب القسام وجرح تسعة آخرين ليس هناك مجال للتوقف والتفكير وكظم الغيظ، رد الفعل المتوقع هو اطلاق وابل من الصواريخ على المستوطنات والمدن الاسرائيلية دون النظر اذا ما كان هذا الامر قد يؤدي الى موجهة عسكرية شاملة ام لا.

الظروف الآن مختلفة تماما، ليس هناك مجال لاتخاذ القرارات بشكل عاطفي مهما كانت بلاغة الجرح وفداحة الخسارة. القيادات الفلسطينية أصبحت أكثر نضجا واكثر قدرة على كظم غيظها و عدم الانجرار لردات فعل في النهاية تخدم الاحتلال وتمنحه ميزة التحكم في قوانين المواجهة من حيث التوقيت.

ليس هناك من شك ان توقيت قصف النفق قد تم اختياره بعناية شديدة، سيما ان اسرائيل تقول انها كانت تملك معلومات مسبقة عن هذا النفق وقد استعانت بما لديها من تكنولوجيا حديثة من خلال استخدام المجسات التي ما زالت تحت التجريب للوصول الى معلومات دقيقة حوله.

لم يكن صدفة ان اختيار يوم امس له علاقة مباشرة بأمرين مهمين الاول فلسطيني والثاني اقليمي دولي.

على الرغم من الرواية الاسرائيلية الرسمية بأنه كان لدى الجيش الاسرائيلي معلومات مسبقة عن النفق وكانت تتابع تقدمه وعندما وصل بل وتجاوز الحدود الاسرائيلية قررت تدميرة. وان عدد الشهداء الكبير هو ان جزء منهم لم يكن في النفق اثناء القصف بل جاءوا لانقاذ رفاقهم واستشهدوا نتيجة استنشاق الدخان او الانهيارات التي حدثت نتيجة القصف او نتيجة انفجار المواد المتفجرة التي كانت داخل النفق.

على الرغم من ذلك ومن حيث التوقيت فهو يوم واحد فقط قبل ان تتسلم السلطة مسؤوليتها عن معابر غزة، وهي الخطوة العملية الأهم حتى الآن في تنفيذ بنود المصالحة.

هذا التفجير من حيث التوقيت يحمل رسالة اسرائيلية واضحة مفادها ان كل ما يجري من تنفيذ شكلي للمصالحة امر لا يعنينا بشيء، وما يهمنا اكثر هو ما يجري تحت الارض وفوق الارض من تطوير لقدرات الفصائل الفلسطينية، وان اسرائيل لا يمكن ان تقبل باتمام المصالحة قبل ان تضع السلطة يدها على كافة هذه القدرات العسكرية. وإن لم يحدث ذلك فان اسرائيل ستواصل عملها لوحدها دون مساعدة احد. اذن الهدف المباشر هو تعزيز المطلب الاسرائيلي بضرورة تفكيك سلاح المقاومة.

اما البعد الآخر ، فهو اقليمي ودولي وهو مرتبط بما سبقه، حيث حمل القصف الاسرائيلي رسالة موجهه  للامريكان الذين يجهزون طبختهم السياسية، خاصة بعد الحديث عن زيارة كوشنر صهر ترامب وغرينبلات مبعوثه الخاص لما يسمى عملية السلام  للسعودية والمكوث اربعة ايام هناك. رسالة الاسرائيليين لهم اننا مع (مساعدتكم) في الوصول لما تبتغون ولن نعطل جهودكم السياسية ولكن هناك من يهدد الامن ويستمر في حفر الانفاق، لذلك قبل ان تباشروا العمل السياسي يجب تنظيف غزة من السلاح. واسرائيل لن تقبل الولوج في عملية سياسية وهناك تهديد مباشر لها، وان هذا الامر يتطلب سيطرة السلطة بشكل كامل على غزة تحت الارض وفوق الارض، كما قال احد مسؤولي السلطة ذات يوم.

اذن، هي رسالة مباشرة لكل الاطراف التي لها علاقة بالمصالحة ولها علاقة في عملية السلام المرتقبة بأن عليهم زيادة الضغط على "حماس" و على الفصائل لنزع سلاحهم.

الرسالة ايضا  هي للجانب المصري الذي أصبح الآن يتمتع بعلاقة وثيقة مع كل اللاعبين الفلسطينيين وعلى رأسهم "حماس"، وهي ان عليكم ان تبذلوا جهدا أكبر في هذا السياق، و هو  اختبار لقدرة المصريين على ضبط الإيقاع في غزة.

لذلك وبعد القصف وبعد ان اتضح ان هناك عددا كبيرا من الشهداء بادرت اسرائيل بالاتصال مع الجانب المصري الذين بدورهم   تواصلوا مع الجهاد و"حماس" وباقي القوى لمنع رد فعل يؤدي الى فقدان السيطرة على الوضع وبالتالي ينسف كل الجهود التي بذلت حتى الآن على صعيد المصالح الفلسطينية.

حتى الان، يبدو  أن الفصائل الفلسطينية، خاصة "حماس" و الجهاد، استطاعوا ان يمتصوا الضربة ويكظموا غيظهم وأن لا ينجروا للعواطف والمشاعر الجياشة بكل ما فيها من ألم. لغة العقل والحسابات بميزان الذهب هي التي تحكمت في اتخاذ القرارات، وهذا امر جيد ويعبر عن روح مسؤولة وقدرة قيادية عالية.

مع ذلك ولأن اسرائيل لا تترك الأمر للصدفة، أخذت بعين الاعتبار ان هذا الامر قد يؤدي الى رد فعل قاس، خاصة من الجهاد الاسلامي، لذلك نشروا بطاريات القبة الحديدية في الجنوب واستدعوا بعض قوات الاحتياط وألغوا بعض الاجازات، وطلبوا من سكان "غلاف غزة" عدم الخروج من بيوتهم، وفي نفس الوقت أرسلوا رسائل تهدئة مفادها ان اسرائيل غير معنية بالتصعيد.

ما حدث هو اختبار، حتى الآن تجاوزته الفصائل بنجاح مع كل الألم للدماء الغزيرة والعزيزة التي سالت، ولكنه ليس الاختبار الاخير وليس الاختبار الاكثر قسوة وألم.. ما زال ينتظر الشعب الفلسطيني بشكل عام وغزة بشكل خاص الكثير من الاختبارات..!

رحم الله الشهداء وأسكنهم فسيح جناته. والصبر والسلوان لذويهم والشفاء العاجل للجرحى.

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - Dr.sufianz@gmail.com