2017-10-30

الاستعارة والالتقاء في الإعلام ينتجان عصراً جديداً من أنماط المنتج الإعلامي وبقوى بشرية جديدة


بقلم: خالد الفقيه

كثيرة هي وسائل الإعلام التي نعرفها اليوم بنيت بالأساس على على جدلية الاتصال الأولى التي تقتضي وجود مرسل (شخص أو جماعة) يقوم بإرسال رسالة (رموز) بواسطة أداة (تطورت مع مرور الزمن وبأشكال متعددة) إلى مستقبل (شخص أو جماعة) وما بين هذه التمفصلات الكثير من التفاصيل وصولاً إلى تحقيق الغاية من العملية الإتصالية.

واليوم ونحن نرى الثورة في عوالم الاتصال وما وصلت إليه من تطورات بفضل وفعل التطور التقني فلا بد عند المراجعة من إعادة الأمور إلى جذورها المبنية على الإستعارة والإلتقاء في الإعلام، فالاستعارة تعني قيام وسيلة إعلامية باقتباس التقنيات والمواضيع المستعملة في وسيلة إعلام أخرى سابقة أو لاحقة فيما يعني الإلتقاء سفر المضامين بين مختلف وسائل الإعلام وإحداث تأثيرات شبه متقاربة بالاستناد إلى التوحد في المعالجة تقريباً.

وبما أن الكثير من المتابعين يصفون الإعلام الجديد بأنه ذكي ويتجاوز فكرة التواصل من خلال التشفير وفك التشفير والتخزين والاستعادة والتصفح بطرق سهلة يرى أخرون بأنه قوض النظام الاجتماعي وغل يد النظام السياسي عن التدخل في الحريات الإعلامية في عصر الصحافة الشعبية والمواطن الصحفي فإننا نجد أنفسنا مضطرين للحديث عن أن ما وصلنا إليه اليوم وبغض النظر عن وصفه السلبي أو الايجابي لم يأت من فراغ بل هو تطور طبيعي مبني على الأشكال السابقة من وسائل التواصل والإعلام تاريخياً فالصحيفة وليدة للمنحوتات والمكتشفات على جدر الكهوف وعلى المسلات من قوانين وإرشادات زراعية وقانونية وتوجيهية لتأتي المطبعة وتنقل تلك المرادات إلى الورق.

وحتى الصحيفة الورقية بما وصلته من تطور في الشكل والمضمون والإخراج  بدأت بالسقوط والإختفاء وقد يكون إغلاق العديد منها أبوابه وأخرها السفير اللبنانية يعود إلى وجود مغذيات معلوماتية أسرع وأرخص بالنسبة للمستقبل في ظل أزمة الوقت وتشعب متطلبات الحياة لمواطن جيلنا المعاصر.

وكما هو التلفاز نقل صريح لما أحتضنته المسارح العامة وبما مر به من تطورات أتت بها وسائل التسجيل المرئي (الكاميرا) حيث كانت الكاميرات بدايةً غير قادرة على تسجيل الصوت فكانت السينما والإنتاج الصامت أوما هو معرف بمرحلة الأفلام غير الناطقة والتي كانت تعتمد بكليتها على الحركة في حيز محدد وإثارة الجمهور للضحك مع حركات الممثلين (تشارلي شابلن، أوليفر هاردي،..) فإن تطور الكاميرا وقفزاتها السريعة كتقنية تستطيع نقل الصوت والصورة أخرجت العديد من ممثلي الحقبة السابقة من سياق العمل لأن شكل الإنتاج الجديد بات يتطلب ممثلين بمواصفات مختلفة لديهم القدرة على حفظ السيناريوهات وإجادة الحوار لأن الحوار أصبح يحتل الحيز الأكبر وتراجعت الحركة لتكون ثانوية.

لم يقف التطور المعصرن في الإنتاج المرئي عند هذا الحد مع ولوج تقنيات الإبداع الحديثة وخاصةً ثنائي وثلاثي الأبعاد على الخط فبتن اليوم نقف أمام خريف شكل العمل الإنتاجي المرئي الحالي حتى أننا نستطيع القول بأن البحث عن أبطال الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية التي نعرفها الأن سيكون من باب الترفيه أو البحث العلمي في قادم السنوات كما هو حال البحث عبر الشبكة العنكبوتية وحوامل التخزين المختلفة عن أفلام الجيل الصامت.

الخطر المحدق والقادم لا يتوقف عند التهديد القادم على المخرجات الدرامية والوثائقية والفنتازية والتسلية بل يطال أيضاً كل أشكال المنتج الإخباري والحواري حيث بدأت بالفعل فضائيات عالمية بالتوجه لأشكال جديدة من تقديم وجباتها الإخبارية والحوارية وستلحقها باقي القنوات قطعاً وذلك بالاستفادة من أجهزة الخلوي الذكية فنحن شئنا أم أبينا على عتبة صحافة الخلوي الذكي (صحافة الموبايل) بما يحمله هذا الجهاز من إمكانات متطورة وجودة في التصوير وتطور في الإمكانات بحيث بات على المراسل الصحفي أن يصور تقريره أو مادته الإخبارية ويخضعها للتوليف ويرسلها لقناته، وهذا سيعني أن يجد الكثير من أطقم العمل أنفسهم ضمن جيش البطالة، وعلى صعيد الاستوديوهات ومقدمي ومقدمات النشرات الإخبارية والبرامج الحوارية لاحقاً ربما، فإن المؤشرات الميدانية تشي بأن وضعهم مهدد مع إستخدام الكثير من الفضائيات للشخصيات الكرتونية بعد برمجتها لتقديم نشرة الأخبار كما هو حال تلفزيون طوكيو المركزي، كما أن هناك توجه لفضائيات أخرى في الأعوام الثلاثة القادمة للتحول نحو الشبكة العنكبوتية بشكل كامل وكلي.

وأمام هذا الواقع المبني على الاستعارة والإلتقاء كنظرية إعلامية جديدة نجدنا نقف أمام سؤال مصيري حول شكل ونوع المواد الأكاديمية النظرية والعملية في كليات وأقسام الإعلام في فلسطين والعالم لتتوافق مع هذه التوجهات من جهة، وأمام تساؤول مخيف عن دور هذه المؤسسات الأكاديمية في رفد سوق البطالة بجيش جديد من العاطلين عن العمل أو المتعطلين بسبب التطور المتسارع في عالم تقنيات الإعلام من جهة أخرى، ولأن ما ورد مخيف بالفعل فإن هنالك الكثيرون ممن لا يرون به تهديداً ولا سيما الجيل القديم في المؤسسات الإعلامية أو الأكاديمية مع تشددهم في رفض كل جديد أت رغماً عن الجميع لأنه مصدر تهديد لسياق عملهم وتكسبهم، وهنا تحضر وبقوة الفترة التي توجهت في الصحف بما فيها المحلية نحو إستخدام البريد الإلكتروني لإرسال المواد الصحفية بديلاً للفاكس ما إضطر المحررين والمراسلين من كبار السن لإختيار أحد مصيرين إما التعلم على التحرير الإلكتروني على صعوبته لهم أو ترك سوق العمل ومغادرته نحو أعمال تتوافق مع قدراتهم.

الأمر كذلك ينطبق على التصوير الفوتوغرافي الذي شهدت أدواته قفزات متسارعة بولود أجيال جديدة من الكاميرات التي تطرحها شركات التصنيع المتنافسة بشكل دوري فمع كل إضافة يتراجع دور العامل البشري في قوة وجمالية الصورة الملتقطة لصالح إمكانات العدسة ومكونات جسم الكاميرا، ففي الوقت الذي كان المصور الصحفي يحرص على إلتقاط صورته بتحفيز كافة حواسه ومنها العين وأصابع يده وحركة جسمه في تحديد سرعة الغالق وكمية الإضاءة والصراع مع الوقت لأن الحدث غالباً ما يكون متحركاً عدا عن خوفه من التكاليف الباهضة لكل صورة يضغط فيها على كبسة الإلتقاط في كاميرته فكل صورة تعني نفاذ كمية الصور في فليمه الذي سيخضعه للتحميض لاحقاً، اليوم لم يعد لكل هذا العناء معنىً فالكاميرات لديها من الخواص والبرمجة ما يمكن به الإستعاضة عن العامل البشري ولعل هذا ما يفسر غياب وجود صور تحوز على جوائز عالمية أو تصنف كحالات دراسية، واليوم بات يحل مكان المصورين المحترفين ما يطلق عليه بأبطال الديجتيل يسدون الاحتياجات المطلوبة للسوق الذي لم يعد يهتم بالجودة.

النظرة المورفولوجية لواقع الإعلام في العالم ومنه الفلسطيني تعني وبالضرورة العمل السريع والجاد للإستعداد لمرحلة مختلفة قادمة شكلاً وبنيةً، والوقوف في وجهها سيعني الخروج من السياق، لا سيما وأن الزمن الحالي الذي تعيشه وسائل الإعلام على تعددها مسقوف بنظرية رأسمالية تبحث فيها الجهات المالكة والمشغلة لتلك الوسائل عن الربح السريع والتكاليف الإنتاجية الأقل فالخبر الصحفي بحسب كونراد سميث بات سلعة " الخبر الصحفي سلعة يحكمها قانون العرض والطلب في سوق الاستهلاك الإعلامي". والحديث عن الجودة لم يعد مهماً للكثيرين بقدر ما هي المعلومة هي الأساس، فلا رهان بعد اليوم على حالة ستاتيكو في القطاع الإعلام كونه الأكثر والأسرع تطوراً في مجالاته التقنية من حقول وأعمال أخرى.

وعلى ما تقدم قفد بات جلياً أن أي إستثمار في قطاع الإعلام من معدات وغيرها يجب أن يأخذ بالاعتبار جبراً ما نحن مقبلون عليه من أنماط ومخرجات إعلامية جديدة، فحتى الساتل الفضائي مهدد اليوم بخدمات الشبكة العنكبوتية وعليه فإن الأقمار الصناعية المخصصة لخدمة المرئي والمسموع يمكن القول بأنها تعد أيامها الأخيرة وقد تكلف الدول والمستثمرين الذين يرعونها أموالاً طائلة لإنزالها من مدارنا السماوي.

* إعلامي فلسطيني- رام الله. - khalid_faqeah@yahoo.com