2017-10-28

فلسطين هي فلسطين


بقلم: عمر حلمي الغول

تناقلت مواقع التواصل الإجتماعي حديثاً للإمير حسن بن طلال في جمعية عيبال النابلسية في العاصمة الأردنية، عمان تضمن أفكارا جانبت الحقيقة والصواب، وتناقضت مع خياري الملك الراحل حسين والملك الحالي عبدالله الثاني، وتتصادم مع مصالح الشعب العربي الفلسطيني العليا، ولا تخدم في اللحظة السياسية الراهنة وحدة الشعبين، رغم التشابك العميق بينهما بحكم الجيوبوليتك، والروابط التاريخية العميقة، ووحدة المستقبل والمصير في قادم الزمان.

وبعدما سألت العديد من الأصدقاء من مشارب واتجاهات مختلفة في المملكة الأردنية عن صحة وزمن الندوة، أكدوا لي أن ما ورد صحيح جدا، وأن الحديث  تم في 2012 ثم تم إعادة طرحه قبل شهر من الآن. وفحواه يرتكز على الآتي: أولا إنتهاء حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967؛ ثانيا الضفة الفلسطينية جزء من المملكة الأردنية الهاشمية؛ ثالثا إعتبار قرار فك الإرتباط عام 1988، بأنه "قرار ظاهره إجرائي، وواقعه دستوري سيادي"؛ رابعا رفضه قرار قمة الرباط 1974 بشأن إعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد، لأنه من وجهة نظره قرارا أضر بالقضية الفلسطينية؛ خامسا إعتقاده أن وحدة الضفتين وفق ما ذكره الأمير حسن من "انجح تجارب الوحدة العربية". سادسا قال سموه "ارجو ان لا ارى ذلك اليوم الذي يتنازل فيه الأردن عن أرض إحتلت عام 1967 على يد جيش الدفاع الإسرائيلي لنرى أو نعيش التتمة المذلة في ان تقام صروح بديلة"، أي انه يرفض وجود دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية..!!

بداية تملي الضرور التأكيد على ان الوحدة بين فلسطين والأردن او اي دولة عربية او كل الدول العربية هي مصلحة لفلسطين وشعبها. ووفق وثيقة إعلان الإستقلال والنظام الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية وميثاق منظمة التحرير وكل برامج فصائل المنظمة، جميعها تؤكد على أن الشعب العربي الفلسطيني جزء لا يتجزأ من شعوب الأمة العربية، وتاريخه وثقافته الوطنية، إمتداد للثقافة والحضارة العربية الإسلامية، وبالتالي الوحدة هدف وغاية لكل وطني فلسطيني. لكن وفق شروط الواقع، وتجارب الوحدة العربية السابقة بما في ذلك ما ورد على لسان الأمير حسن عن "وحدة الضفتين"، لم تنجح أي منها، ولتحقيق الوحدة او بالحد الأدنى التكامل السياسي والإقتصادي والثقافي والعسكري يحتاج إلى وقت طويل، وإلى تطور النظم السياسية العربية، وترسيخ العملية الديمقراطية، وضمان حرية الفرد الإنسان، وتلاقح وتناغم المناهج التربوية والثقافية، وخلق شروط التقارب بين دساتير ومنظومات عمل الأنظمة السياسية العربية.

فضلا عن ذلك فلسطين المحتلة وشعبها ليسوا بوارد التوجه نحو اي مشروع وحدوي إن كان فيدراليا او كونفدراليا قبل إتمام الإستقلال السياسي، والإنعتاق من براثن الإستعمار الإسرائيلي. وبالتالي الحديث عن وحدة الضفتين، فيه إسقاط غير إيجابي على واقع سياسي وإقتصادي وقانوني وثقافي لا يستقيم والهدف المنشود. وإذا فُرضت الوحدة على الضفة الفلسطينية عام 1950 في مؤتمر اريحا، فلن يكون ذلك ممكنا الآن، ولن يمر هكذا مشروع دون مضاعفات غير محمودة. وهذا لا يلغي طبيعة العلاقات الخاصة مع الأردن الشقيق. وبالتالي على سمو الأمير حسن ان يعيد النظر بخياره السياسي المرفوض سابقا، ولن يكون مقبولا في الشروط السياسية الراهنة ولا اللاحقة إلآ بعد التحرر من الإستعمار الإسرائيلي، وعندها لكل حادث حديث.

اما عن خيار الدولتين وإنتهائه وسقوط وتلاشي إتفاق أوسلو فلا يقدم ولا يؤخر في المعادلة السياسية الفلسطينية، وخيار الشعب العربي الفلسطيني وممثله الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية المستند إلى مواصلة النضال التحرري حتى بلوغ هدف الإستقلال السياسي التام وبناء الدولة المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وضمان حق العودة للاجئين على اساس القرار الدولي 194 او حتى البقاء في نطاق الدولة الواحدة إذا إستدعت الضرورة ذلك، وبالتالي لا يمكن للقيادة الشرعية الوطنية ان تتخلى عن إنجازات ومكاسب الشعب الفلسطيني طيلة الخمسين عاما الماضية. وبغض النظر عن قراءة الأمير حسن لقرار قمة الرباط باعتبار المنظمة الممثل الشرعي والوحيد، فإن ذلك مع فك الإرتباط يعتبرا من اهم القرارات الداعمة للحقوق الوطنية الفلسطينية، ولتعزيز الهوية والشخصية الوطنية، وكرسا وحدة التمثيل السياسي للمنظمة.

 وإذا إفترض الأمير بن طلال بأن هناك زمرة من مواليه والمحسوبين عليه في المملكة من الفلسطينيين حملة الجنسية الأردنية، وبغض النظر عن مواقعهم السياسية ومواقعهم الإقتصادية وأرصدتهم المالية مع خياره، فإن هؤلاء لا يمثلون سوى انفسهم، ولا يمثلون لا نابلس ولا الخليل ولا القدس ولا اريحا ولا رام الله والبيرة او جنين وطولكرم وقلقيلية وطوباس او سلفيت ولا غزة وخانيونس ورفح ودير البلح ولا الشتات  الفلسطيني.

كما أنه في حال إفترض أن بعض القيادات سعت للحصول على الرقم الوطني والجنسية الأردنية، فإن ذلك لا يعيبهم ولا ينتقص من مكانتهم الوطنية، ولا يمنحه الإعتقاد للحظة ان ذلك يعزز رؤيته، بل العكس صحيح. لإن سعي البعض للحصول على الجنسية  الأردنية  لا يتناقض مع حصول اي فلسطيني على اي جنسية من الجنسيات العربية او العالمية، لإنها تسهل له حركته وتجارته او مصالحه الإقتصادية والمالية وتنقله بين الدول لخدمة المصالح الوطنية العليا للشعب العربي الفلسطيني.

بناءا عليه، فإن فلسطين ستبقى فلسطين، والأردن سيبقى الأردن، كما اكد ذلك جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس محمود عباس في أكثر من مناسبة جمعتهما في لقاءات مشتركة. وسيبقى الأردن عزيزا على قلب كل فلسطيني، كما ستبقى فلسطين عزيزة على قلب كل أردني، وستبقى العلاقات الأخوية المتميزة والخاصة بين الشعبين والقيادتين الشقيقتين نموذجا يحتذى به في الأوساط العربية عموما.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com