2017-10-27

ماي تعري بريطانيا..!


بقلم: عمر حلمي الغول

قبل يومين وقفت تريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا امام مجلس العموم، وردت على بعض اسئلة النواب حول نية الحكومة بالإحتفال بالذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم، فردت بـ"إفتخار" بالتأكيد على مضي الحكومة بالإحتفال بذكرى جريمة العصر، التي وعد فيها وزير خارجية إنكلترا، آرثر جيمس بلفور في الثاني من نوفمبر 1917 بإقامة "وطن قومي لليهود" على وطن الشعب الفلسطيني، وقبل ان تتولى الإمبراطورية التي لم تكن آنذاك الشمس تغيب عن مستعمراتها الإنتداب على فلسطين التاريخية. ذلك الوعد الجريمة، حيث وعد من لا يملك لمن لا يستحق إقامة "وطن" على أرض شعب آخر، شعب آمن ومستقر في ارض ابائه واجداده.

وعبرت رئيس الوزراء المحافظة على "إعتزاز" بلادها بإنشاء دولة إسرائيل الكولونيالية على أرض الشعب العربي الفلسطيني دون وجه حق سياسي او ديني او قانوني. وأدعت ماي، انها "فخورة بأن بريطانيا" أقامت "دولة ديمقراطية"!؟ وهو ما يتناقض مع الواقع الإستعماري القائم على ارض فلسطين التاريخية، وليس فقط في الأراضي المحتلة في الخامس من حزيران 1967. ويكشف مدى عقم وبؤس وإنحدار الديمقراطية الإنكليزية، ويعري قيم الإمبراطورية العجوز، التي لم تعد ترى الشمس بعد تحرر شعوب المستعمرات من نير إستعمارها.

بريطانيا إسوة بدول الغرب الأوروبي الرأسمالي ومعهم الولايات المتحدة وكندا وكل من لف لفهم، ليست معنية بمعايير الديمقراطية والحرية الفردية والإجتماعية إلآ بمقدار ما تخدم اباطرة المال الإحتكاري، ومقدار ما تؤمن الربح للشركات القومية وعابرة القارات. وبالتالي عندما تتفاخر تريزا ماي بجريمة دولتها البشعة ضد الشعب الفلسطيني، وتجاهر على الملأ دون حياء او خجل، انما تؤكد مضيها في تعميق منطق الإستعمار المتوحش، وتضرب عرض الحائط بحق تقرير المصير للشعوب عموما وشعب فلسطين خصوصا، وتمتهن قيم الديمقراطية والحرية، وتتناقض مع أعراف ومواثيق وقرارات الشرعية الدولية، وتدير الظهر لمصالح وحقوق الشعب العربي الفلسطيني، الذي دفع من دم ابنائه وترابه الوطني ثمنا غاليا جدا، حيث مازال يعيش آثار النكبة في اعقاب إقامة دولة الإستعمار الإسرائيلية عام 1948، ولم يتمكن حتى الآن من إقامة دولته الوطنية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967. أي على مساحة 22% من أرض الوطن الأم فلسطين التاريخية.

بريطانيا ماي وأضرابها من المستعمرين الأنكليز تحتاج إلى صدمة قوية، حتى تفيق من بشاعة الجريمة الوحشية، التي إرتكبتها ضد الشعب الفلسطيني، ولا يبدو انها في الشروط القائمة، ومعادلات الصراع الجاري، وإنخفاض منسوب ثمن الإحتلال الإسرائيلي إلى أدنى درجاته مستعدة للتراجع عما إقترفتة اياديها من فضائع وكوارث لاحقت الشعب الفلسطيني جيلا وراء جيل منذ مطلع القرن العشرين. وبالتالي على الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية وكل انصار السلام البريطانيين والأوروبيين وفي انحاء المعمورة البحث عن اساليب واشكال نضال مختلفة ونوعية لإخراس الأصوات البريطانية الإستعمارية والداعمة لدولة إسرائيل الخارجة على القانون. وحتى اولئك الذين يطالبون ماي وحكومتها بالإعتذار، الذي ترفض تقديمه للشعب الفلسطيني، لم ينتبهوا إلى انه على اهميته لا يشكل التحول المطلوب في السياسة البريطانية، وإن كان يفتح الأفق لرؤية جديدة. لكن المطلوب هزة تعيد بريطانيا والغرب إلى رشدهم الإنساني، وتحررهم من نزعاتهم الإستعمارية. وهذا لن يحدث في ظل موازين القوى القائمة، ولا ضمن قواعد اللعبة الدولية الموجودة، ولا في ظل حالة التبعية والخضوع العربية البائسة  للغرب عموما وأميركا خصوصا. هكذا خطوة تحتاج إلى ثورة في المعادلات المختلفة، ويستطيع الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية قيادة التحول مع رفع منسوب حجم خسائر الإحتلال الإسرائيلي، ومع إستعادة العرب لمكانتهم تحت الشمس.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com