2017-10-27

صندوق العجائب والوطن العربي الغائب:
من بلفور الى إيدن.. ومن الثورة الجزائرية إلى العدوان الثلاثي على مصر..!


بقلم: د. نهى خلف

إن عملية التحقيق التاريخي تشبه في جوهرها عملية التحقيق الجنائي، فالعمليتان تبحثان عن الحقائق والذرائع والإثباتات والوقائع والأدلة والترابط والتشابك بين الأحداث والتطابق بين المصالح والتواطؤ بين الأطراف، كما أن العمليتان تعتمدان على وجود ضحية او ضحايا من جهة ومجرم او مجرمين ومذنبين من جهة أخرى، وتلعب مسألة تطبيق العدالة بمفاهيمها المتعددة واسترداد الحق الدافعان الأساسيان  للتحقيق، ورغم ان الفرق الأساسي بين العمليتين هو فرق زمني إلا أن الزمن أيضا هو مسألة نسبية، فتوابع الجرائم الأقدم والممتدة زمنيا لا تقل عنفا ودمارا من الجرائم التي تحدث في الزمن القريب وكثيرا ما تتشابك الأزمنة، وقد كتب المؤرخون والعلماء عن الأشكال المتعددة من الزمن.

وفي عملية التحقيق يصطدم المحقق بكثير من العوائق، إلا انه يفاجأ في بعض الأحيان بتشابكات ومصادفات بين وقائع معروفة ولكن منسية، او معروفة ولكن غير مرتبطة بعضها البعض مسبقا، وقد تبقى عملية التحقيق التاريخي مفتوحة في المدى الطويل أو ربما إلى الأبد حيث قد  تظهر في صفحات الأرشيف التاريخي معلومات جديدة كانت مخفية عن قصد أو غير قصد.

وفي بعض الأحيان تصبح عملية فتح ملفات التاريخ عملية تشبه فتح صندوق العجائب وتتسلسل المواضيع وتتشابك وتخرج كرزم، وعلى الباحث والمؤرخ ان يفكك الألغاز، وما قد يبدو للبعض اكتشافا قد يبدو للبعض الآخر مسألة قديمة قد عفا عليها الزمن..!

وفي هذا الصدد، أود ان أشير الى المصادفة التاريخية التي أدت بي إلى الربط  بين مئوية وعد بلفور المشؤوم والذي يشغلنا جميعا اليوم والعدوان الثلاثي على مصر، وهي ناتجة عن ملاحظتي خلال تصفحي لجريدة "فلسطين" (والتي أسست في يافا في عام 1911)، وبالذات في العدد الصادر في الثاني من تشرين الأول (نوفمبر) من عام 1956، عن التزامن الغريب بين هذا اليوم والذي صبت فيه بريطانيا نيرانها على المطارات المصرية انتقاما من الرئيس عبد الناصر، حيث كتب في الجريدة  بالبنط الأسود العريض "الغزاة البريطانيون والفرنسيون أغاروا 15 مرة على المدن المصرية أمس"، أما في العدد الصادر في اليوم السابق فقد جاء فيه: "بريطانيا وفرنسا تدوسان على كل القيم والمبادئ وتغزوان مصر الآمنة المطمئنة".

ورغم الآلام والمآسي التاريخية في المنطقة العربية، يذكرنا التحقيق التاريخي بومضات مضيئة نادرة مثل  مساندة مصر ورئيسها جمال عبد الناصر، عسكريا للثوار في الجزائر، مما كان السبب الأساسي الذي دفع فرنسا للدخول في حرب انتقامية ضد مصر ورئيسها عبد الناصر عبر التواطؤ مع بريطانيا الغاضبة بسبب تأميم قناة السويس والحركة الصهيونية الطامعة بالتوسع والسيطرة.

أما المصادفة بالتوقيت التاريخي بين اعتقال واختطاف قيادات جبهة التحرير الجزائرية في يوم 22 اكتوبر سنة 1956 من قبل السلطات الفرنسية في عملية قرصنة جوية فريدة من نوعها، وانعقاد المؤتمرات الثلاثية التحضيرية للعدوان على مصر، فهي أيضا جديرة بالاهتمام. وقد تم اعتقال مجموعة من قادة الثورة الجزائرية ومن أهمهم احمد بن بيلا ومحمد بوضياف وحسين آيت أحمد ومحمد خضر ومصطفى الأشرف، وذلك في الأجواء الدولية بينما كانت تنقلهم طائرة مدنية من المغرب إلى تونس، في نفس الوقت الذي كان قد بدأ انعقاد مؤتمر في منزل وزير الدفاع الفرنسي في ضاحية "سيفر" الباريسية  ما بين 21 و24 من اكتوبر عام 1956، لمعاقبة مصر والجزائر سويا. وقد حضره من الطرف الإسرائيلي وفد سري يشمل دافيد بن غوريون وموشي دايان وشيمعون بيريس، ومن الطرف الفرنسي اربعة من المسؤولين الكبار بما في ذلك غي مولي رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الدفاع ورئيس أركان الحرب. وقد حضر من الطرف البريطاني في اليوم الثاني دبلوماسيان بريطانيان وقد وافقت بريطانيا الدخول في المؤامرة بعد ان وكلت بالقيام هي بعملية "موسكتير" العسكرية الانتقامية ضد مصر وجمال عبد الناصر بسبب سياسته بما يخص تأميم قناة السويس، وذلك بناء على خبرة بريطانيا الاستعمارية في المنطقة وامتلاكها قواعد عسكرية في مالطا وقبرص.

وكان قد انعقد قبل ذلك اجتماع سري في 22 من شهر تموز (يوليو) في ضواحي باريس بحضور موشي دايان وشيمعون بيريس مع شخصيات فرنسية، تم خلاله تعريف الرئيس المصري "بالعدو المشترك" للبلدين، وقد توعدت فيه فرنسا بمد حليفها الإسرائيلي بأسلحة بمئة مليون مقابل قيامها بعمليات تخريبية في مصر، وقد انعقد اجتماعين آخرين في لندن في شهر أب (أغسطس) 1956، بين كل الأطراف ذات المصلحة بقناة السويس، بعد اعلان الرئيس المصري بتأميم القناة ومنع مرور الملاحة الإسرائيلية فيها. أما التواطؤ  الفرنسي فقد اشتدت وطأته بعد أن قدم جهاز المخابرات الفرنسي معلومات حول عمليات شحن أسلحة إلى الجزائر من الأسكندرية متهمين الحكومة المصرية وعبد الناصر بتسليح جبهة تحرير الجزائر.

وفي يوم 24 اكتوبر 1956 توج التآمر بين الثلاث اطراف: الفرنسية والبريطانية والإسرائيلية عبر الإتفاق على ما يسمى ببروتوكول "سيفر" والذي تضمن النقاط التالية:
1- تقوم القوات الإسرائيلية بخلق حالة صراع مسلح على مشارف قناة السويس لتستغلها بريطانيا وفرنسا كذريعة للتدخل العسكري ضد مصر.
2- توفر القوات الفرنسية الحماية الجوية لإسرائيل. كما توفر القوات البحرية الفرنسية الحماية البحرية للمياه الإقليمية الإسرائيلية. (وتتعهد بإمدادها بطائرات ميراج2 وميراج4 و"فوتور" بالإضافة الى شاحنات وأسلحة أخرى).
3- تصدر بريطانيا وفرنسا إنذارا مشتركا لكل من مصر وإسرائيل لوقف أعمال القتال والإبتعاد عن القناة، مع قبول مصر لاحتلال منطقة قناة السويس احتلالا مؤقتا من قبل القوات "الأنجلوفرنسية" لحماية الملاحة البحرية فيها.
4- تقوم القوات الجوية البريطانية بتدمير المطارات والطائرات والأهداف العسكرية المصرية وتحقيق السيطرة الجوية في سماء مصر(عملية موسكتير).
5- تدافع فرنسا عن موقف إسرائيل في الأمم المتحدة وفي نفس الوقت تبذل بريطانيا جهودها – بصفة سرية – بالإتصالات الخاصة لمساندة إسرائيل دون أن تكشف علانية عن ذلك حتى لا يضار مركزها في الوطن العربي.
6-  وبالمقابل تتعهد الحكومة الفرنسية بإمداد حكومة إسرائيل بمفاعل ذري له القدرة على إنتاج القنابل الذرية (إنشاء مفاعل ديمونا).
 
ومن الجدير بالذكر أن رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الحين، اللورد انتوني إيدن، كان من المتواطئين السريين الأوائل في هذه الخطة رغم تنكر بريطانيا لدورها التأسيسي للعدوان حيث كان إيدن يكن كرها شديدا للرئيس المصري جمال عبد الناصر مترقبا فرصة للتخلص منه. وقد ذكر انتوني ناتنج، الذي كان وزير دولة للشؤون الخارجية في حكومة إيدن والذي استقال فيما بعد بسبب خلافه الشديد معه، أن إيدن قال له: "ما هو كل هذا الهراء عن عزل ناصر أو"تحييده" كما تسمونه؟ أريد أن أدمره، ألا تفهم؟ أريد قتله، وإذا كُنت أنت ووزارة الخارجية غير متفقين معي، فعليكم أن تشرحوا موقفكم أمام مجلس الوزراء". وعندما قال له ناتنج (والذي كان قد عقد اتفاقا مع الرئيس المصري في عام 1954 حول الانسحاب البريطاني من القناة) أنه ليس هناك بديلاً لعبد الناصر، كان رد إيدن: "أنا لا يهمني إطلاقا إن عمت الفوضى في مصر". كما ان تواطؤ أنتوني إيدن مع المؤامرة الثلاثية كان واضحا لأنه كان قد قدم منذ 16 تشرين الأول (أكتوبر) 1956، خطة لعدد من وزرائه وهي  نفس الخطة التي تم الاتفاق عليها في "سيفر" في يوم 24 من نفس الشهر، والتي كانت تقتضي أن تغزو إسرائيل مصر، ثم  توجه بريطانيا وفرنسا  انذارا لكلاهما بوقف القتال، وفي حال يرفض أحدهما الالتزام، يرسل البريطانيون والفرنسيون قواتا بحجة فصل الجانبين – ثم يحتلوا القناة ويتخلصوا نهائيا من الرئيس المصري جمال عبد الناصر (بناء على عملية موسكتير).

وبما إننا اليوم بصدد التذكير بالمآسي التي حلت بفلسطين وبالعالم العربي منذ أكثر من قرن وبالذات بسبب  مرور قرن على وعد بلفور المشؤوم، تبين لنا بشكل حاسم بعد تحقيقنا عن المصائب المتتالية عبر هذا القرن، إن العدوان الثلاثي عام 1956 والذي تم بالمصادفة التاريخية العجيبة مثل "الوعد" في الأول والثاني من شهر كانون الأول (نوفمير) بأنه كان من أهم المحاور التاريخية التي جاءت لتكمل الوعد البريطاني، عبر الدعم العسكري الذي حصل عليه الكيان الصهيوني الناشيء وخاصة في االمجال النووي والأغرب من كل ذلك اننا قد حصلنا على بعض المعلومات التاريخية التي تشير الى صلة قرابة بين اللورديين الاستعماريين أي بين اللورد جيمس ارثر بلفور واللورد انتوني إيدن حيث ينتمي كلاهما الى نفس شجرة العائلة لسلالة من اللوردات اللعينة تسمى "بلاكيت"..!

وأخيرا يجب الإشارة إلى أهمية حقبة منتصف الخمسينات التي شاهدت انعقاد مؤتمر "باندونج" في عام 1955 والذي حضره الرئيس جمال عبد الناصر والزعيم الجزائري احمد بن بيلا والذي شهد صعود حركات التحرر والاستقلال في الدول الناشئة بينما بدأ البحث عن وحدة تقدمية عربية في مواجهة الاستعمار والاحتلال، مثل التحالف بين الثورة المصرية والجزائرية الذي كان يرمز إلى وحدة المصير بين المشرق والمغرب العربيين في مواجهة الاستعمار الأوروبي القديم،الذي بدأ يتخبط ويفقد توازنه أمام صعود الحركات الثورية، ويمثل العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 الذي فشل في الإطاحة بالرئيس عبد الناصر وفي منع الجزائر من نيل استقلالها مثلا لبداية فشل المخططات الاستعمارية على شكلها القديم وانسحاب الاستعمار الأوروبي الكلاسيكي فاتحا الباب واسعا أمام الولايات المتحدة للدخول في الشرق الأوسط كالمنقذ البريء، الأبيض الوجه، وخاصة بعد معارضتها للعدوان الثلاثي على مصر، ساعية للسيطرة على الموارد الأولية والنفط وعلى العقول البشرية في الوطن العربي الغائب، وذلك بعد أن قام الاستعمار القديم بتثبيت أقدام الكيان التوسعي الصهيوني الجديد الذي أصبح يلعب دور رأس الحربة والقاعدة العسكرية المتقدمة للاستعمار الأمريكي الجديد ليكمل دور التقسيم والتفتيت والفوضى الذي بدأ بإتفاقية "سايكس بيكو" ووعد بلفور مرورا بسلسلة من الاتفاقيات التي تبدو أقل أهمية مثل بروتوكول "سيفر" وصولا إلى اتفاقيات أخرى عديدة لا تحصى.. والأمثلة للأسف كثيرة...

* كاتبة وباحثة فلسطينية في الشؤون الاستراتيجية والدولية- بيروت. - khalaf.noha@gmail.com