2017-10-27

ستة مليون اعتذار..!


بقلم: حمدي فراج

بعد بضعة ايام تحل ذكرى مرور مئة عام بالتمام والكمال على وعد بلفور المشؤوم، لم تكن كافية على ما يبدو ان تراجع بريطانيا العظمى نفسها إزاء الظلم التاريخي التي اوقعته على الشعب الفلسطيني، بل على العكس تماما، فاخرت حكومتها بهذا الوعد الذي اسس لانشاء دولة اسرائيل وفاخرت بالعلاقات النوعية التي تربطها بها، ومن أجل ذلك اعلنت انها ستقيم احتفالات خاصة بالمناسبة المئوية، ما يكشف بوضوح أكاذيب بريطانية امتدت لثلاثين سنة ما بين الوعد عام 1917 وبين قيام الدولة عام 1948، من انها كدولة انتداب في فلسطين كانت تقف على الحياد ازاء الصراع بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، إذ ان افتخارها بالوعد بعد مرور مئة عام واقامة الاحتفالات الرسمية يكشف دورها التاريخي التأسيسي التمويلي التسليحي التهجيري لهذا الكيان، بما في ذلك صك العملة وشعار الدولة والوان العلم.

لم تكن بريطانيا بالطبع هي الدولة الوحيدة التي عمدت على انشاء هذا الكيان، فلقد ساعدتها فرنسا بإنشاء اول مفاعل نووي بعد اقل من ثلاث سنوات على قيام هذه الدولة، وألمانيا التي التزمت بتقديم ما يزيد على مئتي مليار دولار تعويضا عن افران هتلر، ثم جاءت امريكا لتحل محل كل هذه الدول مجتمعة واعتمدت اسرائيل الولاية الحادية والخمسين من ولاياتها، بل ان احدهم وصفها بما هو اهم من ذلك وأخطر: الحزب الثالث في امريكا بعد الديمقراطي والجمهوري. ولهذا ليس غريبا ان نرى الاحتفالات بوعد بلفور تتخطى بريطانيا واسرائيل.

في فلسطين، التي لربما لم يبق احد على قيد الحياة قد شهد الوعد، لكننا شهدناه نحن على جلود اجدادنا وجداتنا، ابائنا وامهاتنا، فقرا مدقعا، جوعا بهيما، عراة حفاة، في عشرات مخيمات اللجوء التي انتشرت في اصقاع المنطقة العربية يناهزون ستة ملايين لاجئ مسجلين رسميا لدى وكالة الغوث الدولية لم ينفع معهم التجنيس ولا التوطين البديل لفلسطينيتهم المسلوبة.

إن مطلب القيادة الفلسطينية ان تتقدم بريطانيا العظمى بالاعتذار عن وعد بلفورها، هو مطلب متواضع يحمل في ثناياه مسحة البحث عن مسامحة مفترضة، هي اقرب الى المستحيل، رسخته بريطانيا باعلان فخرها بالوعد والاحتفال به، والاعتذار سيتسبب في استحقاقات جديدة اقلها ان تعترف بريطانيا بدولة الشعب الفلسطيني، وتعمل على اعادة اللاجئين الى وطنهم، وهذا بدوره سيخلق اشكالات اخلاقية  مع الدولة العبرية. دون ذلك لن يكون للاعتذار اي قيمة، حتى لو قدمت بريطانيا ستة ملايين اعتذار، فهناك مثل هذا العدد قد اصبحوا تحت التراب لا تنفع معهم الاعتذارات.

* كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مخيم الدهيشة- بيت لحم. - hamdifarraj@yahoo.com