2017-10-26

حزب الله، المصالحة الفسطينية، وإسرائيل..!


بقلم: ناجح شاهين

حسناً لم تمانع الدولة العبرية هذه المرة في إنجاز المصالحة بين "فتح" و"حماس". ترامب أعطاها ضوء أخضر. ولسنا متأكدين حقاً من النوايا الإسرائيلية/الأمريكية التي تبدو متماهية على نحو رائع هذه الأيام.

لكن ماذا يريد فريق رام الله من المصالحة، وماذا يريد فريق غزة؟

فريق رام الله يريد شيئاً من قبيل عودة الأمور إلى نصابها: العودة إلى ما قبل الانفصال أو الانقلاب مثلما يحبون أن يسموه. إنهم يريدون شطب العقد الأخير كله، وإعادة التاريخ إلى مساره "الطبيعي" الممتد من سنة 1993 إلى سنة 2007. ما تلا ذلك كان انحرافاً بالمسيرة واختطافاً للقطاع من قبل "حماس" و"القسام".

فريق غزة يريد عودة الوضع المالي إلى وضعه الطبيعي. بالتأكيد هم لا يريدون العودة إلى الخضوع لسلطة "رام الله" وأمنها وشرطتها وأجهزتها. السلطة بالطبع واعية لذلك، وقد اوضحت على ألسنة كثيرين بمن فيهم الرئيس ذاته أنها ليست مصرفاً أو "صرافاً آلياً" عند "حما"س أو غيرها.

قد تكون "حماس" مقتنعة بأن هذا غير ممكن عملياً، وأن عودة "الصراف" وفتح المعابر قد يتطلب أن تتسلم السلطة فعلاً المسؤولية عن غزة لتخضع "للسيادة" الفعلية سياسياً وقانونياً وإدارياً للسلطة، لكنها تظل على ما يبدو تعيش بأمل ان تتمكن من تحقيق "اختراق" ما.

هناك من يتحدث عن نموذج حزب الله الذي يعني وجود الدولة مع احتفاظ الحزب بكيانه وقراره المستقل سياسياً وعسكرياً وثقافياً واقتصادياً ..الخ ولكن هل هذا ممكن؟ يقال إن رئيس السلطة قد أوضح أنه لن يسمح بحزب  الله في غزة، وكذلك نتانياهو وآخرون.

مرة أخرى يشكل حزب الله النموذج المزعج للدولة العبرية: قدم مثالاً لم يكن متوقعاً على أن العرب قادرون على القتال الشجاع المبدع والذكي، وأن بالإمكان هزيمة إسرائيل. وقدم نموذجاً سحرياً لإمكانية تعايش المقاومة مع الدولة مع وجود طريقة للعيش مشترك لا يعتدي فيه طرف على الآخر.

لكن إسرائيل بالطبع لن تسمح أبداً بأن يتحول القسام إلى جناح حزب الله في فلسطين. بالعكس ربما أملت إسرائيل في أن تصل وضعاً تضع فيه الورقة الفلسطينية في جيبها بعد أن وضعت السعودية والإمارات ومصر في صفها، وحيدت قطر وتركيا وآخرين. ربما أن إسرائيل تريد غزة هادئة ومسالمة في حال ذهابها إلى حرب جديدة مع حزب الله الذي يدخل المعارك الصعبة ويربحها، ليتفاقم خطره على وجود الدولة العبرية وأمنها واستقرارها.

صالح العاروري أوضح منذ ساعات أنه لا يقبل مناقشة أية شروط إسرائيلية للمصالحة، وشدد على أن "حماس" إنما ذهبت إلى طهران لكي تبين أنها لا تنصاع لإسرائيل –وربما أمريكا- كما شدد على أن سلاح المقاومة سيظل مرفوعاً حتى زوال الاحتلال. بالطبع نعرف أن السياسة لا تتعلق فقط بالنوايا أو التصريحات، وإنما بالإمكانيات الواقعية المتاحة، وطبيعة االتوازنات الاقليمية التي تحدد موازين القوى. "حماس" وإن زار بعض من رجالها طهران، فإنها ليست في معسكر "المقاومة"، وإنما في معسكر حليف للولايات المتحدة عنوانه قطر والإخوان، حل محله منذ بعض الوقت معسكر حليف آخر عنوانه السعودية وعناصره الإمارات ومصر وربما اسرائيل.

إسرائيل تريد من  المصالحة أن تقود الى الاعتراف باسرائيل، ونزع سلاح "حماس"، والانصياع "للقرارات الدولية" ونبذ الارهاب، وصولاً إلى التفاوض "المتحضر" حول الخلافات بين اسرائيل والفلسطينين العزل من اية قوة عسكرية أو سياسية، باعتبار أن المحيط العربي فقد في معظمه صفته العروبية، واصبح جسماً اقليمياً يدور في فلك اسرائيل.

شادي عثمان الناطق باسم الاتحاد الأوروبي قال يوم أمس إن معبر رفح سيفتح بين مصر وقطاع غزة بالعودة إلى اتفاق 2005 الذي يعني انتشار حرس الرئاسة في الجانب الفلسطيني مع وجود المراقبين الأوروبيين والرقابة الاسرائيلية متعددة الأساليب (الكترونية وبشرية ..الخ). "حماس" كانت "تتحفظ" على العودة إلى تلك الأيام: ما جدوى ما حصل منذ 2007 إذن؟

تشير بعض التقارير وحتى التصريحات (مثل تصريحات لعماد الفالوجي) الى ان "حماس" "جاهزة" للمنافسة على منصب رئيس السلطة عن طريق ترشيح خالد مشعل أو مرشح "توافقي" آخر. ذلك لا يمكن أن يقرأ بالطبع في سياق الرغبة في تقليد نموذج حزب الله وعلاقته بالدولة اللبنانية المشار إليه أعلاه، وإنما يشير الى شيء من النزوع نحو منافسة "فتح" وقيادة السلطة على المشروع ذاته أو الكعكة ذاتها. غني عن البيان أن فوز مشعل برئاسة السلطة لن يعني إلا مواصلة نهج التفاوض الذي أرسته السلطة منذ اوسلو. وليس واضحاً لنا ما إذا كان ما يجري هو الوان من "التكتيك" السياسي أم أن حماس تعيش فعلاً حالة من الاضطراب والتذبذب بين اتجاهين أحدهما يود الذهاب نهائياً باتجاه برنامج السلطة السياسي مع وجود تمايز "فعلي" بين الفريقين مرده أن حماس تقدم مشروعاً "دينياً" للتسوية، بينما تقدم السلطة مشروعاً "علمانيا" للتسوية ذاتها. الاختلاف يصبح في هذه الحالة شأناً فلسطينياً خالصاً بطبيعة الحال باعتبار أن ما يخص اسرائيل هو الموقف منها وليس الموقف من الدين. يعزز هذا الاحتمال ما يدور  حول وراثة حماس لمشروع أوسلو الذي سيتخذ صبغة دينية "إخوانجية" بدلاً من صبغته العلمانية المعروفة الضفة عموماً ورام الله على وجه الخصوص.

السلطة الفلسطينية لا تبدو متلهفة هذه الأيام على اتمام المصالحة واستحقاقاتها، وهذا أمر مفهوم سياسياً باعتبار أن من الضروري اعطاء الفرصة للثمرة "الحمساوية" حتى تنضج تماماً وتسقط في الموقع المنتظر بدقة ودون اي انحرافات. وفي هذا السياق يشتكي موسى أبو مرزوق من انفتاح "حماس" في مقابل تمنع "فتح" والسلطة في موضوع المصالحة.

السلطة لم توقف "العقوبات" المفروضة على قطاع غزة في مجالات الكهرباء والمياه والموظفين ومستحقات الاسر الفقيرة. كذلك ما يزال هناك كلام يقال ضد المقاومة وضد سلاحها.

بالطبع هذه الشكوى تعني سياسياً ان السلطة في وضع "قوي" لتفرض أجندتها، وهي أجندة تتضمن تحقيق الشروط الأمريكية/الأسرائيلية التي لا سبيل الى تحقيق المصالحة دونها. ولا بد أن مصر ذاتها لن تغير موقفها من غزة قيد انملة ان لم يتم الانصياع الكامل للشروط الأمريكية.

أفيغدور ليبرمان لا يترك لنا مجالاً للتفكير أو الاجتهاد: العدو الرئيس الاستراتجي الأسوأ في هذه اللحظة هو ايران ومعكسرها ممثلين بحزب الله وسوريا والجهاد الإسلامي. لكن يبدو بحسب ليبرمان أن ايران تحاول السيطرة على "حماس". نميل من جانبنا إلى "طمأنة" ليبرمان أن "حماس" لا تستطيع في هذه اللحظة أن تعود إلى الحضن الإيراني لأنها في حاجة إلى الحضن المصري/السعودي. ومن المهم أن نفكر في هذه اللحظة أن إسرائيل لن تستطيع "الصبر" طويلاً  على حزب الله: سوف تذهب إلى قتاله في عقر داره قريباً، وفي هذا السياق سوف تحتاج إلى دعم "الجيران" العرب شركاء المصلحة في محاربة النفوذ الشيعي. وتتوقع اسرائيل هنا على الأقل ان يكون الفلسطينيون جميعاً في وضع الحياد بمن فيهم قطاع غزة وحركة "حماس". وهذه دون شك احدى النقاط التي تأخذها إسرائيل بالاعتبار وهي تفكر في المصالحة بين رام الله وغزة.

* الكاتب أكاديمي فلسطيني. - najehshahin@yahoo.com