2017-10-25

ثرثرة على ضفاف "الصفقة"..!


بقلم: عمر حلمي الغول

تواتر الحديث في وسائل الإعلام الإسرائيلية والفلسطينية والعربية بعدما نشرت بعض القنوات الإسرائيلية، أنها توصلت إلى عناوين ومحددات الصفقة الترامبية المنوي طرحها قبل نهاية العام الحالي. وإندلق الإعلاميون بمدارسهم وفرقهم ومنابرهم المختلفة في إستنطاق السياسيين والخبراء المختصين حول آفاق الصفقة؟ وكيف ستتعامل معها القيادة الفلسطينية؟ وهل هي صفقة محصورة بالمسألة الفلسطينية الإسرائيلية ام ترتبط بالحل الإقليمي الأوسع؟ وما هي إنعكاساتها على القيادة الفلسطينية؟ وهل المصالحة لها علاقة بمصفقة القرن ام خارجها؟

أسئلة كثيرة تقاذفتها ألسنة المراقبون وعناوين المنابر الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة، وفتحت الشهية عند العديد من اصحاب الرأي، فقاموا بإخضاعها للتحليل والتمحيص والإستدلال والإستنتاج. وعلى اهمية المبادرة من قبل كل من حاول إستشراف آفاق الصفقة، وقراءة ما رشح من معلومات تحتمل كل التصنيفات بدءا من دقتها وإنتهاءا بعدم دقتها او ما بينهما، ووضع الإستنباطات الممكنة إرتباطا بخلفيات كل منبر او كاتب وخبير. وكانهم جميعا في عجلة من أمرهم، حيث طال الإنتظار على ضفاف الصفقة لبلوغ قلبها ومحتواها. لكن حتى الآن ووفق الناطق الرسمي بإسم الإدارة الأميركية لا أساس لكل ما تناثر من "معلومات" وتداولته وسائل الإعلام. ومع ذلك فإن العصف السياسي حول الصفقة الأميركية، بغض النظر عما توصل إليه الكتاب والمحللون من نتائج، قدم إسهاما للإدارة الأميركية في قراءة التوجهات العامة للمزاج العام في الشارعين الفلسطيني والإسرائيلي.

لكن حتى يقترب أي مراقب من مقاربة معقولة ومنطقية لمحددات الصفقة، عليه العودة لتصريحات الرئيس دونالد ترامب وفريقه المكلف بالإشراف على الملف، وبعد ذلك يمكنه إستنطاق الآفاق المحتملة او الأقرب للواقع في بناء الصفقة، ومن تلك ما يعلن صباح مساءا: اولا الإستيطان الإستعماري لا يشكل عقبة أمام المفاوضات والتسوية السياسية؛ ثانيا لا وقت وزمن محدد للمفاوضات؛ ثالثا عدم فرض الصفقة على أي من الفريقين في حال بلورتها؛ رابعا ضبابية ملامح ومرتكزات الصفقة؛ خامسا جزء لا يتجزء من حل شامل يطال دول الإقليم، وليس الوطن العربي فقط؛ سادسا رفض وصول الفلسطينيين إلى المنابر الدولية للدفاع عن حقوقهم، ومطاردتهم، ومطاردة اصدقائهم في المؤسسات والهيئات الأممية دون إستثناء؛ سابعا إطلاق يد إسرائيل الإستعمارية في التقرير بالمسائل ذات الصلة بالملفات النهائية للصراع؛ ثامنا تواصل الولايات المتحدة والمؤسسات الصهيونية الأميركية والمعاهد ومراكز الأبحاث في فتح قنوات جانبية مع شخصيات سياسية وأكاديمية إسرائيلية وفلسطينية من مختلف التجمعات من الـ 48 و67 والشتات للوقوف على نبضها من جانب، ولتعميق عملية الترويض للعقل السياسي الفلسطيني تحديدا لقبول الرؤية الإستعمارية الإسرائيلية او على أقل تقدير تجريعها عملية تدوير الزوايا في مسألة حل الدولتين بما يتوافق وذرائع إسرائيل الأمنية ..إلخ.

إضافة لما تقدم، فإن فريق الإشراف الأميركي على الإعداد للصفقة هم يهود صهاينة ومستعمرين بدءا من كوشنير، صهر الرئيس ترامب، مرورا بغرينبلات، وصولا لفريدمان والسيدة باول. وبالتالي لا احد يفاجأ في حال كانت الصفقة منحازة كليا لإسرائيل ومتطلباتها الأمنية،ورؤيتها السياسية الإستعمارية للحل، وتثبيتها مسألة التطبيع اولا مع العرب قبل معالجة المسألة الفلسطينية، رغم تصريحات بعض القادة العرب عكس ذلك، لكن الطرف المقرر ليس العرب، بل الإدارة الأميركية. مع ذلك يبقى هذا في نطاق الإستنتاج، وهو ما يدعو المرء او أي مراقب للبناء عليه من جهة، وعدم إهماله من جهة اخرى. غير ان الصفقة في حال كانت متناقضة مع مصالح الشعب الفلسطيني، فإنها ليست قدرا على القيادة والشعب الفلسطيني قبوله، فعلى مدار تاريخ الصراع ومنذ مطلع خمسينيات القرن الماضي والمشاريع والحلول الأميركية والإسرائيلية والأوروبية والعربية تتحاذف على الرأس الفلسطيني، ولكنها جميعا باءت بالفشل والسقوط، لأن إرادة الشعب العربي الفلسطيني حالت دون تمرير اي من المشاريع الإستعمارية. وكنتيجة لما تقدم، إن كان الرئيس ترامب معني فعلا بوجود صفقة تاريخية وناجحة، عليه ان يتبنى قرارات الأمم المتحدة ومرجعيات عملية السلام على اساس خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967، وضمان حق العودة للاجئين على اساس القرار الدولي 194، وحق المساواة الكاملة لأبناء الشعب الفلسطيني داخل إسرائيل. غير ذلك يكون نوع من الترف والثرثرة والتسويف والمماطلة لتمرير والتغطية على المشروع الإستعماري الإسرائيلي.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com