2017-10-24

القضية "الكبرى" بين الخاص والعام..!


بقلم: بكر أبوبكر

إن الكتابة في القضايا "الصُغرى" بعيدا عن "كُبريات" قضايا السياسيين كمثل الكتابة بالإدارة وما يتعلق بها من فنون وأساليب من تخطيط وتنظيم ومتابعة واتصالات وتعاون وإدارة وقت وقيادة ..الخ، هي من صلب العملية الاتصالية في الحياة، حياة الانسان، والتي تستهلك من وقته اكثر من 90% كما تعلم ونعلم جميعا نحن من ذوي الحرص على التعلم، وهي وإن فجع السياسيين قضايا كبرى.

لذا فالخوض في هذا الأمر هو خوض في ذات الفعل الانساني اليومي المستدام، الذي تقف أمامه تلك الأمور "الكبيرة" فاغرة فاها، منبهرة حين ترى نفسها بمواجهة هذه الحمولة صغيرة صاغرة.
 
لربما يظن البعض أنه بابتعاد فكره أو قلمه عن الخوض في القضايا "الكبيرة"..! انتقاصا وتراجعا بينما في حقيقة الأمر أن لا قضايا "كبيرة" أوصغيرة الا ما نراه نحن مؤثرا في حياتنا.

بمعنى أن التخلص من حكة جلدية تصبح قضية كبرى لدي، وتتعملق أمام تلك القضايا "الكبرى" مما يظنها البعض "كبرى"، ولربما تكون رعاية أبنائي ليكونوا على المحجّة والسراط والدرب القويم هي "الكبرى" . وقد يرى غيرى قعوده بالمنزل بلا عمل قضية "كبرى" كما تكون لقمة الخبر لعامل أثيوبي او بنغالي اوفلسطيني قضيته "الكبرى" وهكذا.
 
المجال الحياتي بكل مساحاته، وان اشتمل على مساحات متعددة، يلتقي قطعا في المساحة الاتصالية التي تستهلك جل وقته بين النظر والتامل والاستماع والقراءة والتعلم والحديث والايماء والاشارة.
 
أنت حتى وأنت جائع أو تعاني البطالة أو الكآبة أو في حالة الفرح أو الانتكاس، وأنت حتى لوكنت سياسيا "كبيرا" أو رجل مهمات صعبة، او عالم جليل أو اقتصادي جهبذ و"كبير" فانت انسان.
 
نخوض في الحياة بمنطق التواصل الذي لا تستغني فيه أنا وأنت عن قضاياك "الكبرى" وغيرها ثانوي اوهامشي أو سيأتي وقته.

أنت لا تستغني عن آليات تعاملك مع الآخرين، حيث المحيط يكبلك أو يحررك، لتبرز منك النظرة والايماءة ومدى تقوس الحاجب، ولغة العيون، وهز الكتف واشارات اليدين وحركة القدم مترافقا مع المنطوق أواللامنطوق من الكلام فتكون انسانا متواصلا.
 
كيف ومتى وأين ولماذا تساؤلا تبرز صاعدة في سلسلة اتصاليه لا تتوقف حيث نخوض قضايانا "الكبرى" والصغرى، فمهما كنت في خضم أي من قضيتك أو قضية جماعتك "الكبرى" لا تتوقف.

الى ذلك ما بالك بمن يسعى للقضية "الكبيرة" حقا، وهي أن يفهم عِلّة الخلق، وهدفه، وطبيعة العلائق القائمة بين مختلف المكونات التي تشكل خريطة حياة الانسان.
 
إن الانسان وهو يدري او لا يدري قطعا يعالج القضية "الكبرى"، قضاياه الكبرى، ولا يخرج للصغائر أبدا وعلى منوال المصلحين الكبار والأنبياء وقادة الرأي والطليعة والمفكرين نسير معا.
 
حينما تكون الرسالة هي "الكبيرة" لا يصبح الكبير الا ما نريده أن يتحقق كهدف أي كان هذا الهدف، فبما يتعلق بالشأن الفردي لكل هدفه ومساره وآليات تواصله لا يهمه حينها القول ب"الكبير" والصغير، فلكل من حياته مساحة حيث تتقدم الأولويات حينا وتنكمش الثانويات قطعا تلك التي يراها الآخر مختلفة.
 
هنا تبرز العقلية الجمعية عبر العمل المنظم سواء في الجماعة من تنظيم أو حزب أو مؤسسسة او شركة لتضع أمام العناصر أو العاملين الهدف الجامع والفكرة والطريق، وببساطة تضع المنهج (منهج العمل ومنهج الحياة في آن) الذي منه يسعى المجموع لتحقيق الهدف "الأكبر".
 
كلما استطعنا التوفيق بين الهدف العام "الأكبر"، وبين أهدافنا الشخصية "الكبرى" كلما استطعنا أن نصنع عقلية الجماعة وفريق العمل.

كلما قفزنا من مربع التناقض والتشاكل الى مربع التواءم والتلاؤم والتناغم والتكامل نحقق معادلة الهدف/الخطوة الجمعية/الجماعية بأن تكون ذاتها هدفي وخطوتي الفردية أي تقود للهدف الذي هو جماعي والذي هو فردي.
 
أشكر لمن أتاح لي فرصة التامل والتفكر هذه في الكبير والصغير فطرقت معه بوابة المواضيع الانسانية الادارية الاتصالية الهامة بدءا بالوعي والفهم عبر القراءة، والتي يعد الخوض فيها مساحة "كبرى" وليست هامشية او تافهة او صغرى كما قد يظنها اغبياء السياسة والاقتصاد والمجتمع.

أغبياء أو أدعياء السياسة والاعلام والاقتصاد والفكر والفن والمجتمع الذين يظنون القضية "الكبرى" مرتبطة بأعناقهم الطويلة دون الناس وهمومهم "الصغيرة"، هم المنحرفين عن السياق، وما يفعلونه بالفضائيات يشكل انحرافا يمثل حقيقة ألاعيبهم واكاذيبهم، وصورهم المنمقة الباهته على الشاشات ظانين وظنهم آثم قطعا أنّ مجرد صعودهم على رقبة الناس بركوب الفضاء ليعبروا عن قضية سياسية ما عامة هو القضية "الكبرى"..! حيث الاندغام بين الشخص والقضية يصبح صورة مركبة مشوهة، وهم بحقيقة الامر أصغر من عقب السيجارة بعد امتصاص الروح منها.

ان المسار الصحيح في العلائق الانسانية، ونور الجماهير، ومنها العلاقات في محيط البيت والعمل والأسرة والحزب والوظيفة والجامعة والمدرسة ..الخ، يسير جنبا الى جنب مع القضايا الادارية/الانسانية التي لا غنى لحزب او شركة أو مؤسسة عن تعلمها وهي على ذات الجدية والأهمية مع تلك القضايا السياسية والفكرية والاقتصادية سواء بسواء.

ونحن في التنظيم السياسي (او المؤسسة والشركة) ننجح عندما نضع أمام الناس قضيتنا "الكبرى"، نحن كطليعة عندما نضعها أمامهم لتكون قضيتهم الكبرى هم، فتسير جنبا الى جنب أو مندغمة ومندرجة في سياق النفس الخارج من الرئتين، وفي نظرة عيونهم وفي لمستهم لشعر ابنائهم، وفي طعامهم... وحلهم قبل الترحال وقد ننجح حينها ونسرج خيولنا ونفوز.

* الكاتب أحد كوادر حركة "فتح" ويقيم في رام الله. - baker.abubaker@yahoo.com