2017-10-22

مصالحة فلسطينية مؤجلة بقرار فلسطيني..!


بقلم: ماجد نمر الزبدة

هواجس فشل المصالحة الفلسطينية باتت تسيطر على أذهان الفلسطينيين إثر التباطؤ الشديد الذي يتعامل به رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مع استحقاقات المصالحة الفلسطينية الداخلية سيما رفع العقوبات الجماعية التي فرضها على سكان قطاع غزة.

"مش مستعجل".. تُمثّل اليوم عنوان المرحلة السياسية في تعاطي عباس مع ملف المصالحة الفلسطينية، فالعبارة التي أدلى بها الرجل خلال لقاء متلفز بعد أسبوعين كاملين من حل حماس لجنتها الإدارية -شرط عباس لرفع عقوباته عن غزة- تؤكد عدم جديته في إتمام المصالحة الفلسطينية، وإصراره على استمرار إجراءاته العقابية ضد غزة، وهي الإجراءات التي وصفتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا في وقت سابق بأنها "جرائم ضد الإنسانية" وتشكل خرقاً فاضحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.

مظاهر الفرح والسرور التي عمّت أجواء قطاع غزة إبّان دخول حكومة الوفاق الفلسطينية إلى غزة لم تكن احتفاءً بعودة حركة فتح لتحكم غزة بقدر ما كانت ابتهاجاً بانتهاء حقبة الانقسام الفلسطيني، وهي خطوة مهمة طالب بها أبناء القضية الفلسطينية وأنصارها طيلة السنوات الماضية.

فرحة أبناء غزة بإنهاء الانقسام بددتها غيوم عقوبات عباس التي لا زالت متلبدة في سماء غزة رغم توقيع اتفاق المصالحة بضمانة مصرية، وتسلّم وزراء حكومة الوفاق لمهامهم بل واستقبالهم بحفاوة بالغة داخل وزارات غزة، والأنكَى هو إصرار رئيس السلطة على تجاهل تأثيرات عقوباته اللاإنسانية على مليوني فلسطيني محاصرين في غزة، وهو الأمر الذي اتضح جليّاً بعد اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الذي تم عقده مؤخراً في مدينة رام الله حين تجاهل عباس مطالبة العديد من أعضاء اللجنة برفع تلك العقوبات.

قد نتفهم حالة التوجس وعدم الثقة التي تبديها قيادة السلطة الفلسطينية نتيجة انقسام فلسطيني جاوز عقداً من الزمن، ولكن ما لا نستطيع تفهمه هو عدم إدراك تلك القيادة حتى اللحظة لمخاطر الانقسام الفلسطيني السياسية والاجتماعية والتي وصلت إلى ذروتها قبيل إقدام حماس على التنازل عن إدارة شئون غزة، واستقبالها الحافل لحكومة الوفاق بل ودعوتها عباس شخصيا لزيارة غزة، وهي خطوات إيجابية لاقت ترحيبا فلسطينيا ودولياً وأظهرت حرص "حماس" على الوحدة الفلسطينية في مقابل تردد واضح أبدته قيادة السلطة الفلسطينية ومن خلفها حركة "فتح".

السلطة الفلسطينية مطالبة اليوم وبلا تردد بالمبادرة نحو طي صفحة الانقسام من خلال خطوات عملية تجاه المصالحة الفلسطينية تبدأ بإلغاء كافة الإجراءات العقابية التي اتخذتها ضد أهالي غزة، وتنفيذ بنود المصالحة الفلسطينية على مبدأ الشراكة لا الإقصاء، والتعاون لا التهميش، والتصالح لا الانتقام، فتغوّل الاحتلال على شعبنا، وتراجع التأييد الذي أحدثه الانقسام في قضيتنا، يوجب علينا جميعاً ألا نسمح لأيٍّ كان أن يعيد إنتاج مسلسل الانقسام الفلسطيني من جديد.

تصريحات العديد من مسؤولي السلطة الفلسطينية وحركة "فتح" تجاه غزة و"حماس" خاصة فيما يتعلق بسلاح المقاومة وملف موظفي غزة تنبئ بفشل جولة المصالحة الحالية، وأنها نسخة مكررة لجولات المصالحة السابقة في صنعاء ومكة والدوحة والقاهرة، لكن الجديد هذه المرة هو إصرار شعبنا الفلسطيني بكافة أطيافه على تجاوز شروط الرباعية المجحفة ومعيقات الاحتلال، وفضح الطرف المعيق لإنهاء الانقسام، كما أن الوسيط المصري يبدو ولأسباب عديدة مُصراً على تعرية المستفيدين من الانقسام الراغبين في استمراره لسنوات مقبلة.

إشارة عباس مراراً لسلاح المقاومة في غزة، وتذرّعه بمصطلح "تمكين الحكومة" الفضفاض، وارتهانه للقرار الأمريكي من خلال إرساله وفدا من مخابراته لاستشارة إدارة "ترامب" قبل رفع عقوباته عن غزة يؤكد رفضه للوساطة المصرية الحالية، وعدم جدّيته في إتمام ملف المصالحة، دون التفاف منه لمعاناة أهالي غزة المتواصلة نتيجة استمرار الانقسام والحصار.

أؤمن أن خيار عباس الوحيد هو المسارعة نحو إتمام ملف المصالحة الفلسطينية، فغزة التي اتخذت خطوتها الأولى نحو المصالحة لن تنتظر مزيداً من الوقت، وفشل المصالحة الفلسطينية في هذه الجولة سيتبعه انعطافة استراتيجية في المستقبل الفلسطيني، ستطال تأثيراتها بكل تأكيد مستقبل حركة "فتح" والسلطة الفلسطينية برمّتها.

* الكاتب يقيم في قطاع غزة. - majedzebda2@gmail.com